[سورة مريم — آية 43]
﴿ إِذ قال لأَبيه ﴾ بدل اشتمال من إبراهيم اعترض بينها بجملة تعليلية ، وذلك من خروج إذ على الظرفية كما خرجت عنها بالإضافة إليها فى يومئذ ، وحينئذ ، أو متعلقة بكان ، لأن الصحيح جواز التعليق بكان التى لها خبر ، وأنها تدل على الحث ، ولو شهر منع ذلك ، وقيل متعلق بنبياً ، وفيه أنه يلزم أن الله جل وعلا جعله نبياً حين القول لأبيه ، ويحاب بأنه يطلق الوقت على ما قبله وما بعده مما يليه ، فإذا وقع نبى فى شهر مثلا صح إطلاق أنه وقع فيه ، مع أنه وقع فى جزء منه ، وكذا البحث والجواب إذا علق بصديقا .
﴿ يا أبت ﴾ التاء عوض عن ياء المتكلم ، وأبوه آزر وهو ظاهر القرآن ، وقيل هو عمه ، ويصح أنه أبوه ظاهر ما رواه أبو نعيم والديلمى ، عن أنس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حق الوالد على ولده ، أن لا يسميه إلا بما يسمى به إبراهيم أباه يا أبت ولا يسميه باسمه » .
﴿ لم تعْبُد مالا يسْمَع ﴾ ثناءك عليه ، ولا صوتك بالخضوع إليه ، ولا صوتاً ما من الأصوات ﴿ ولا يُبْصر ﴾ خضوعك وخشوعك بين يديه ولا شيئا ما من الأشياء ﴿ ولا يُغْنِى عنك شيئاً ﴾ أى إغناء ما أولا يدفع عنك شيئاً ، ولا يفيدك شيئا ، والجماد من شأن أن يكون شيئا مطروحاً إلا إذا احتيج أن ينتفع به فعل به بلا احترام له ، فكيف يحترم غاية الاحترام ، ويعبد وهو دون عابده ، مع أن العاقبل المميز القادر على النفع والضر بإذن الله سبحانه ، لا يستحق العبادة لأنه محتاج ليس بخالق ، ولا رازق ، ولا محيى ولا مميت ، ولا مثيب ولا معاقب ، وذلك حجة عقلية ، واحتج بالنقلية فى قوله :
﴿ يا أبت إنى قد جاءنى مِنْ العِلْم ﴾ متعلق بجاء ، ومن للابتداء أو حال من ما ، ومن للتبعيض من قوله : ﴿ ما لم يأتِك ﴾ استماله برفق إذا لم يسمه بجاهل ولا نفسه بعالم ﴿ فاتبعنى أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستقيما سهلا ، لا يضل سالكه ، موصلا إلى أسنى المطالب منجياً من المعاطب ، وهو ما أوحى الله إليه من التوحيد والعمل بما يجب ، وترك ما يحرم والوعد والوعيد ، وإن كان ذلك قبل الوحى إليه صح أيضا ، لأنه على دين الله قبله أيضا ، ثم حذره بأن عبادة الأصنام التى تعبدها عبادة للشيطان لأمره بها ، وهو عدو لله الذى منه النعم كلها ، المسمى الرحمن أى المنعم ، أفلا تخاف أن يسلبها عنك فقال :
﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ فعيل للمبالغة أو مفعول أدغمت واوه فى يائه ، وكسر عاقبلها ، وأراد عصيان على الإطلاق ، أو عصيانه بترك السجود لآدم تذكيراً له بعداوة أبيه ، فيجتنب مصادقة من هو عدو لأبيه ، كما رسم فى القلوب ، ثم صرح له بالتحذير من أن يعاقبه الله على مصادقة عدوه وقال :
﴿ يا أبت إِنِّ أخافُ أن يمسك عذاب من الرَّحمن فتكون للشيطان ولياً ﴾ والخوف هنا العلم ، عبر به مجاملة له ، واستنزالا أو على ظاهره إذ لا جزم بأنه يصيبه عذاب الدنيا ، ولا بأن يصيبه عذاب الآخرة لإمكان أن يؤمن ، ونكر العذاب للتعظيم ، أو للتقليل تلويحاً بأنه لا طاقة له على قليل منه ، وذكر الرحمن مع أن الرحمن تستدعى عدم العذاب ، لأنه المذكور قبل ، وللاطماع بأن الرحمة باقية له على كل حال ما لم يمت مصراً ، ولأن العقوبة من الكريم أشد ، لأن فيها اعتبار جحود نعمة ، وإلغائها وللإشارة بأن كونه رجيماً لا يؤمن المكر من العذاب وإلى أن العذاب ليس انتقاماً لشىء ضرى إذ لا يضرى شىء ، بل حكمة ، وبأن الرحمة سبقت الغضب ، ولا دلالة للمس على تقليل العذاب لقوله تعالى : ﴿ لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم ﴾ ومعنى كونه ولياً للشيطان أنهما يقرنان فى فى العذاب ، وفى هذا تغليظ عليه بعد ما ألان وهو من نفس الرحمة ، لأن المراد انزجاره عما يضر إلى ما ينفع قال بعض :
فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً … فليقس أحياناً على من يرحم
وفى قوله : ﴿ لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا ﴾ حجة عقلية ، وفى قوله : يا ﴿ أبت ﴾ تحبب وترغيب فى التوحيد ، وتمهيد للانتباه ، بنهمه أولا على ما يمنع من عبادة الأصنام ، ثم أمره باتباعه فى الإيمان ، ثم بأن طاعة الشيطان غير جائزة فى العقول ، وختم الكلام بالوعيد الزاجر ، وكأنه قيل : فما حال أبيه بعد ذلك الوعظ العظيم الطويل ، فقال الله جل وعلا :
﴿ قال ﴾ أبوه مصراً مقابلاً لاستعطافه بالغلظة ﴿ أراغب أنت عن آلهتى يا إبراهيم ﴾ راغب مبتدأ ، وأنت فاعله أغنى عن خبره لتقدم الاستفهام ، وهو هنا توبيخى تعجبى ، وعن آلهتى متعلق براغب . ولا يضر الفصل بأنت ، لأنه فاعل كما يفصل الفاعل الفصل عن المفعول ، وهو الأصل ، ولو أغنى عن الخبر ، أو راغب خبر ، وأنت مبتدأ . لا يضر فصل أنت . لأن راغب فى رتبة التأخير عن أنت ، والأصل أأنت راغب عن آلهتى ، وعن التخليط تقدير لفظى راغب آخر بمد أنت ، يفسره المذكور تحرزاً عن هذا الفصل ، بل المبتدأ ليس أجنبياً من الخبر من كل وجه ، ولا سيما أن المفصول الجار والمجرور ، وهم يتوسعون فيهما وفى سائر الظروف ، وليس فى جعل أنت مبتدأ إلباس بالفاعل بل اللفظ إجمال إذ فى كل وجه خلاف الأصل الرفع بالوصف لما يغنى عن الخبر ، خلاف الأصل وكونه خبرا مقدما خلاف الأصل بخلاف قام زيد لو جعل خبراً مقدماً ، فإنه إلباس بالفاعل ، وعلى كل حال جعل راغب تالياً للهمزة ، لأن محط التوبيخ والتعجب بالذات الرغبة عن الآلهة ، وراغب للحال أو للماضى المستمر .
﴿ لئن لم تنته ﴾ عن الرغبة عن آلهة ، وعن النهى عن عبادتها ، وعن الدعوة إلى ما دعوتنى إليه ، أقسم بآلهته لا بالله ، لأنه لم يؤمن إلا إن آمن به وعبد غيره ﴿ لأرجمنك ﴾ بالحجارة عند الحسن ، وبشتم اللسان عند ابن عباس والسدى والضحاك وابن جريج ، ﴿ واهجرنى ﴾ عطف على ﴿ لأرجمنك ﴾ عطف إنشاء على إخبار ، أجاز سيبويه ذلك وعكسه ، وفى ذلك جعل جواب القسم غير الاستعطافى إنشاء ، وهو لا يجوز والمعطوف على الجواب جواب ، أو العطف على محذوف تقديره احذرنى واهجرنى .
﴿ مَلياً ﴾ زماناً طويلا عند الحسن ومجاهد ، وجماعة ورواية عن ابن وأبداً عند السدى ، وكأنه تفسير بالمراد وهو منصوب على الظرفية كما رأيت ، أو مفعول مطلق أى هجراً ملياً أى طويلا ، وعن ابن عباس : ملياً سالماً قادراً على الذهاب قبل أن أثخنك بالضرب ، فلا تطيق التنقل فهو حال .