[سورة مريم — آية 73]
﴿ وإذا تُتْلى عليهم آياتنا بينات ﴾ ظاهرات المعانى والإعجاز ، وما تشابه بينته الآية الأخرى ، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما بقى على إبهامه كأوائل السور على وجه ابقائه لم يضر السامع ، ولم يوقعه فى لبس .
﴿ قال الذِين كفَرُوا ﴾ الآية مستأنفة فلا حاجة الى أنها فيمن قبلها حتى يقال وضع الظاهر موضع المضمر ، لينعى عليهم بذكر الكفر المتقدم منهم ، وأنه الموجب لكفرهم ، وهذا نقوله مع الاستئناف كما شهر أنها نزلت فى النضر بن الحارث وأتباعه الفجرة ﴿ للَّذين آمنُوا ﴾ اللام للتبليغ أى خاطبُو المؤمنين بما قال الله عز وجل عنهم : ﴿ أى الفريقيْن ﴾ المؤمن والكافر ﴿ خيرٌ مقاماً وأحْسن ندياً ﴾ كقوله تعالى قالت أولادهم لأخراهم ، فما كان لكم علينا من فضل ، أو بمعنى فى على معنى أنهم قالوا فى شأن الذين آمنوا بلا خطاب لهم ، أو بخطاب ولم يذكر الله الخطاب ، كما قال الله عز وجل : ﴿ قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا ﴾ بلا خطاب ، ويصح التعليل ، ولا يمنعه كما زعم بعض أن المقول ليس فى حق المؤمنين خاصة . والمعنى قالوا لأجل المؤمنين معهم ، إذ لولا المؤمنون لم يكن فريقان ، والمقام فى الأصل موضع القيام أو زمانه أو نفسه ، والأنسب هنا الأول لكن قصد به المكان بمعنى الشرف .
والندى موضع الاجتماع ، أو مخصوص بموضع يجتمع فيه لحادث أو مشورة ، أو بموضع يجتمع فيه أهل الندى ، أى الكرم ، ويروى أنهم كانوا يدهنون شعورهم ، ويرجلونها ، ويتطيبون ويلبسون اللباس الفاخر ، ويقولون لفقراء الذين آمنوا لو كنا أعداء الله وكنتم أولياء الله ، لما فعل الله هذا بنا ، وأفقركم ، والحكيم لا يهين أولياء ، فكذلك إن كان البعث نكون خيراً منكم حالا ، وهو قياس عقيم من قلب سقيم ، فإنهم رووا كثيراً من المؤمنين أغنياء ، وكثيراً من الكفار فقراء ، ورد الله عليهم بقوله عز وجل :
﴿ وكَمْ ﴾ مفعول به لقوله ﴿ أهْلكنا قبلهُم مِنْ قَرنْ هُم أحْسَن أثاثاً ورِئياً ﴾ كم للتكثير كما هو الظاهر ، ويجوز أن تكون للاستفهام التعجيبى ، أو التقريرى إضراباً عن ذكر الكثرة لشهرتها ، والإذعان إليها الىحملهم على التعجب أو الإقرار ، وفى الآية على كل حال الرد عليهم ، والتهديد بالإهلاك ، كما أهلك من قبلهم ممن هو أكثر مالا ، وأحسن مالا وزينة ، وأحسنية الأثاث تدل على كثرة المال على الغالب ، وفى الجملة ، ومن قرن نعت لكم لا كما قيل إنها لا تنعت وينبغى أن يكون الخلاف فى نعتها بغير من ومجرورها اللَّذين لبيانها ، مثل قوله : ﴿ هم أحسن ﴾ فهذه الجملة نعت لقرن ، كما هو واضح لا لكم ، وضمير الجمع لاشتمال القرن على أفراد ، والقرن مائة عام ، وقيل غير ذلك ، والأثاث المتاع جداً وبلى والخرثى ما بلى منه ، والرأى المنظر نضارة اللوز وحسنه من الرؤية البصرية ، وهو بشد الياء قلبت الهمزة ياء ، وأدغمت أو من الرى ضد العطش مراد به النضارة ، والحسن أو هو رئيا بهمزة فياء ، وكلتا هما عن نافع .