[سورة مريم — آية 37]
﴿ فاختلف الأحزابُ من بينهم ﴾ ما ذكر من مدح عيسى سبب لمبالغة من بالغ ، وجاوز الحد ، وتقصير من قصر حتى كذب به كما دلت الفاء ، فصار ما هو سبب للاتفاق سبباً للاختلاف بين الأحزاب ، قيل هم المسلمون وهم قالوا بما قال الله عز وجل ، واليهود والنصارى ومشركو العرب ، والهاء للأحزاب كذبته اليهود وبهتوه وعادوه ، حتى عملوا فى أن يقتلوه .
قال نسطور من النصارى بعد رفعه : هو ابن الله أظهره ثم رفعه .
وقال يعقوب : هو الله هبط ثم صعد .
وقال ملكان : هو عبد الله ونبيه .
وقال أتباعه بعده : عيسى ناسوت قديم أزلى ، ولدته مريم ، والصلب والقتل وقع على الناسوت ، ومن قال هو إله قال : وقع القتل والصلب على الناسوت .
ويحكى عن أتباع ملكان أن المسيح ناسوت كلى لا جزئى ، وأنه قديم ، وقد ولدت مريم إلهاً أزلياً ، وأن القتل والصلب وقعا على الناسوت واللاهوت معاً .
قال مشركو العرب بعدم تصديق أن ما فى القرآن من الله عز وجل ، ومنهم من تنصر ، ومن تهود ، وقيل : الأحزاب اليهود والنصارى ، لأنهم قوم عيسى ، وفيهم ولد ونشأ ، لأنه إسرائيلى ، كما أن اليهود والنصارى إسرائيليون ثم دخل فى دين النصارى غير الإسرائيليين ، ومن كان منهم غير إسرائيلى أكثر ، وأهل الكتاب شهروا به ما بين معاد ومسلام ، فهم المراد بالأحزاب ومن والنصارى من قال يقول المسلمين ولم يخلصه بكفر ، وهم قليل ، وقيل الأحزاب اليهود والنصارى ، ومشركو العرب ، ويدل لعدم دخول المسلمين فى الأحزاب ، لأن معنى من بينهم أنهم اختلفوا اختلفا صادراً من أنفسهم ، أو ثابتا منها ومخالفة المسلمين لهم لمتابعة كلام الله سبحانه لا تبع لأنفسهم .
من للابتداء ، وأجاز أبو حيان زيادتها تأكيدا ، وأجاز أن تكون للتعليل على انفصالهم عن الحق ، وعلى زيادتها جاز دخول المسلمين ، ومن قال كقولهم ، ويناسبه قوله تعالى :
﴿ فويلٌ للَّذين كفَروا ﴾ تحزراً عن المسلمين ، ومن قال مثلهم لا ويل لهم ، فلو أريد بالأحزاب المشركون اليهود وغيرهم لقال : فويل لهم إلا أن يقال : ذكرهم باسم الكفر نقيماً وتصريحاً بسبب الويل ، ومن قال بقول المسلمين ، وكفر بأمر آخر فويله ليس من جانب عيسى ، ويجوز دخول المسلمين ، ومثلهم فيقدر : فويل للذين كفروا منهم أى من الأحزاب .
﴿ مِنْ مَشْهد يوم عَظيم ﴾ من بمعنى فى والإضافة للبيان ، وشمهد زمان الشهادة وهو يوم القيامة ، أو من للتعليل أو مشهد نفس الشهادة أو مكان الشهود فى يوم عظيم ، أو مشهود به فى حق عيسى وأمه من السوء كقوله تعالى : ﴿ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ﴾ وعلى كل حال أضيف ليوم القيامة لأنه يوم الهول تشهده الملائكة والأنبياء ، وتنطق فيه ألسنتهم ، وجوارحهم ، ويضعف تفسير ذلك بوقت قتل المسلمين الكفار ، وليست وقتا واحدا .