[سورة طه — آية 47]
﴿ فأتياه ﴾ ادخلا عليه عطف على لا تخافا ﴿ فقولا ﴾ له ﴿ إِنَّا رسُولا ربِّك ﴾ أرسلنا الذى هو ربك وأنت عبده ، ولست برب ، بل هو الرب ، فاعرف كيف تجيبنا ، وليس هذا تغليظاً ، إذ لا يجوز النقص من ذلك ، لأنهما أرسلا إليه بقول ذلك وبقوله :
﴿ فأرسل معنا بنى إسرائيل ﴾ الخ ، فلا يجوز النقص والإلانة التى أمرا بها ، وهى أنهما لم ينهراه ، ولم يقولا له يا خبيث ونحو ذلك ، والأوجه المتقدمة فى الإلانة على تقدير صحتها ، قد يقولانها بعد هذا أو قبله ، لأن الفاء فى « فقولا » ولو كانت للترتيب ، لكن الترتيب فى كل شىء بحسبه تقول : تزوج فلان فولد له إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل ، أو هى لمطلق الجمع هنا ، ألا ترى أنه لا بدل أن يأمراه أولا بالتوحيد ، ﴿ هل لك إلى أن تزكى*وأهديك الى ربك فتخشى ﴾ لأنا نقول : ما فى هذه السورة هو الإرسال الأول أو أمراه بعد هذا الكلام للتدريج ، فإن طلب إطلاق بنى إسرائيل أيسر عليه من تبديل الاعتقاد ، مع أن فى قولهما إنا رسولا ربك أمرا بتبديله .
وأيضا تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم الى الإيمان على أن بنى إسرائيل مؤمنون بموسى فى الباطن ، أو بغيره من الأنبياء قبل ، لكن لا دليل على شىء من ذلك ، فقد يؤمر بطلب إرسالهم ولو مشركين للرحم ، وأنهم أولاد الأنبياء ، ولعلم الله أنهم يؤمنون به ، وأنهم جنده ، ومعنى إرسالهم إطلاقهم عن الاستبعاد والأسر ، فإن شاءَوا ذهبوا مع موسى وهارون الى الشام ، وإن شاءوا قعدوا فى مصر ، فالإطلاق مفروض ، والمعية غير مفروضة ، وكأنه قيل : أطلقهم فى حضرتنا ، وذلك هو المقصود بالذات ، ألا ترى الى قوله :
﴿ ولا تُعذِّبهُم ﴾ فإنه ينبىء أن المراد ترك ما فيه إهانتهم ، كانوا عبيداً للقبط ، يستعملونهم فى نحو الحفر والبناء ، ونقل الأحجار من المشاق ، ويستخدمون نساءهم ، ويقتلون أبناءهُم على ما دون علم ، وأقول الأظهر أنه طلب إرسالهم جميعا الى الشام ، وفرع طلب الإرسال على ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ بالفاء السببية للتأكيد .
﴿ قَدْ جئْتُك بآيةٍ من ربِّك ﴾ تقرير لدعوى الرسالة ، وتعليل لوجوب الإرسال ، لأنه من الله ، وقالا من ربك لا منه ، لتأكيد التقرير والتعليل ، ونفى الربوبية عنه ، وأكد بقد ، وأفرد الآية ، ولو تعددت آياته ، لأن المراد بها الأولى التى يبدؤه بها ، أو لما ترادفت آياته كلها على معنى واحد ، وهو التوحيد ، عدت واحدة كأنه قيل قد جئناك بما يثبت دعوانا ، وقيل : اليد ، وقيل العصا المتلوة .
﴿ والسَّلام ﴾ السلامة من عذاب الدنيا والآخرة ﴿ عَلى من اتَّبع الهُدَى ﴾ بتصديق آيات الله ، أى لمن اتبع الهدى ، كما عكس فى قوله تعالى :
﴿ ولهم اللعنة ﴾ باللام بدل على ، ولا بد من حكمة فى ذلك كالغمرة للسلام ، والاستحقاق للعنة ، وفى ذكر على هنا مشاكلة لقوله تعالى :
﴿ إِنَّا قَد أُوحى إليْنا أن العَذَاب ﴾ دنيا وأخرى ﴿ عَلى مَن كذَّب ﴾ بآيات الله ﴿ وتولَّى ﴾ أعرض عن قبولها ، وقد يقال : السلام سلام الملائكة خزنة الجلة على المهتدين ، وفيه تعريض بتوبيخ خزنة النار ، ووعيد المكذبين للآيات بالنار ، وهو قول لا دليل له من الآية ، فإن أراد قائله الترغيب والترهيب لفرعون بذلك ، فقد حصلا له بذكر السملاة من السوء والعذاب ، إن آمن ، والعذاب إن لم يؤمن ، وقد يقال : هذا السلام سلام موادعة ، وذهاب ، مع أنه أيضا ترغيب وترهيب على العموم ، ولو قال : السلام عليك لخصه ، والمشرك لا يقصد بالسلام ، بل يقال عن خطابه : ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ كما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من محمد رسول الله الى هرقل عظيم الروم » سلام على من اتبع الهدى « ولا يتكل على الموادعة قوله بعدها : ﴿ إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ لقلته مع المناسبة للمقام ، وذلك كله معا أمراً أن يقولاه ، إذ قال : ﴿ فقولا ﴾ وقيل تم فى قوله : ﴿ من ربك ﴾ ولا حصر فى الآية للعذاب فى المشركين ، إذ لم يقل لا عذاب إلا على المشركين أو نحو هذا ، فلا دليل فى الآية للمرجئة القائلين ، إن الموحد الفاسق لا يدخل النار .