[سورة مريم — آية 83]
﴿ ألم تَر أنَّا أرسَلنا الشياطين عَلى الكافرين ﴾ مكناهم من إضلالهم ، وقرناهم بهم متسلطين ﴿ تَؤزهم أزاً ﴾ تهزهم الى المعاصى تهييجاً لهم عليها شديداً بالوساويس ، حال من الشياطين ، ويجوز من الكافرين مقدرة ، لأن الأزّ بعد الإرسال لا معه ، أو مستأنفة جواب لقول ماذا تفعل بهم ، بأنها تهزهم بأنواع الكفر من الشرك ، وتقبيح الحق ، وتحسين الباطين المعتاد المفرط ، وفى هذا تسلية لرسول الله صلى الله لعيه وسلم بأنك قد بلغت ، وأن كفرهم لخذلاننا لهم بالشياطين ، وتقرير له بالهمزة ، وتنبيه أو تعجيب مما ذكره قبل من قوله : ﴿ ويقول الإنسان ﴾ الى هنا ومضمون هذه الآية ، وتذييل :
﴿ فلا تعْجَل عليهم ﴾ بطلب إهلاكهم ، والدعاء به ، أو بانتظاره لتطهر الأرض من خبائثهم كما يقتضيه عتوهم ، وتأثير الأز فيهم يقتضى العجل بهم فنهاه الله عنه كقوله عز وجل : ﴿ إن هذا عدوّ لك ولزوجك فلا يخرجنَّكما من الجنة ﴾ وعلل النهى بقوله :
﴿ إنما نعدّ لهم عداً ﴾ لا يليق أن ننقصر مما عددناه لهم ، ولو يطول وما بالعدد ينتهى ، وكأنه انتهى ، وهذا يدل على القليل من عرض ، وإذا قرأ ابن عباس رضى الله عنهما بكى وقال : آخر العدد خروج نفسك ، آخر العدد فراق أهلك ، آخر العدد دخول قبرك .
وقرأها ابن السماك للمأمون فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ، ولم يكن لها مدد ، فما أسرع ما تبعد ولله در من قال :
إن الحبيب من الأحباب مختلس … لا يمنع الموت بواب ولا حرس
وكيف يفرح بالدنيا ولذتها … فتى يعد عليه اللفظ والنفس
أو الآية من باب ذكر العدد تقليلا كقوله تعالى : ﴿ أياماً معدودات ﴾ ، و ﴿ دراهم معدودة ﴾ فيكون التقليل باللفظ لا من عرض ، أو المعنى إنما نعد لهم أعمالهم عداً للجزاء عليها .