الجانب الفكري في المذهب الإباضي
الجزء ١ · صفحة ١٣الجانب الفكري في المذهب الإباضي (*)
الأستاذ: الشيخ صالح بن أحمد البوسعيدي
سلطنة عمان
إن الباحث في أدبيات المذهب الإباضي يواجه أول ما يواجهه من تساؤل في بحثه عن تصنيف المذهب الإباضي، فهل يصنفه على أنه فرقة عقدية؟ أم حركة سياسية؟ أم اتجاه فكري؟ أم مدرسة أصولية؟ أم مدرسة فقهية؟. (1)
والحقيقة أن المذهب الإباضي ليس واحدا من ذلك بعينه، وإنما هو مجموع ذلك كله، فالمذهب الإباضي حركة سياسية، وفرقة عقدية، واتجاه فكري، ومدرسة أصولية فقهية في الوقت ذاته، لا يطغى جانب من تلك الجوانب على آخر، بل كلها وبمجموعها تشكل منظومة واحدة نطلق عليها اسم (المذهب الإباضي).
فعلى عكس الكثير من المذاهب الإسلامية الأخرى التي يطغى على بعضها الجانب الفقهي، وعلى بعضها الجانب العقدي، وعلى بعضها الجانب السياسي نجد أن المذهب الإباضي قد استطاع ـــ وبعبقرية فذَّة ـــ أن يوفِّق بين تلك الجوانب وأن يستوعبها كلها، وأن يكون له موفقه المتميز فيها جميعا، وبصمته الواضحة عليها كلها.
فإذا أتينا إلى الجانب السياسي سنجد أن المذهب الإباضي حركة سياسية قائمة بذاتها لها أطروحاتها التي لا يستطيع المطلع إلا أن ينحني أمامها إعجاباً وإكباراً.
وإذا أتينا إلى الجانب العقدي سنجد أيضاً أن المذهب الإباضي له أحكامه العقدية القائمة على ركائز راسخة، وأدلة قوية.
وإذا انتقلنا إلى الجانب الفقهي سنجد ثروة هائلة من الإسهام الفقهي في كل أبواب الفقه من العبادات والمعاملات وفقه الجنايات والأحوال الشخصية.
والشيء نفسه نجده في علم أصول الفقه، فللمذهب الإباضي آراؤه وتحقيقاته في هذا العلم، ومؤلفاته التي أوسعت هذا العلم تحقيقا ودراسة.
إن كل ذلك هو ما يمكن أن نطلق عليه اسم (الفكر الإباضي).
الوسطية والاعتدال في الفكر الإباضي:
لعل أهم ميزة يمتاز بها الفكر الإباضي هي الوسطية والاعتدال في الطرح بين الإفراط والتفريط، وهذه الميزة يمكن أن تلمحها بسهولة في كل زاوية من زوايا المذهب الإباضي سواء في العقيدة أم الفقه أم الفكر السياسي أم غير ذلك، وهذا ليس شيئاً متكلفاً في الفكر الإباضي لأنه مأخوذ من