مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الحضور المشرقي في فقه المغاربة قراءة في المنهج

الجزء ١ · صفحة ٦٢

الحضور المشرقي في فقه المغاربة (*) قراءة في المنهج

(شرح النيل نموذجا)

الأستاذ:

الدكتور: محمد بن موسى باباعمي

باحث متفرغ، مكتب الدراسات العلمية، الجزائر

هذه المداخلة لا تعدو أن تكون مقاربة أوَّلية، لدراسة مدى التأثير والتأثر، في جميع الحقول المعرفية، بين المشرق والمغرب الإباضيَّين، بداية من نشأة المذهب، وانتقال سلمة بن سعد الحضرمي (2) إلى بلاد المغرب، ثم تفرُّغ حَمَلَة العلم المغاربة في غار أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة لمدَّة لا تقل عن خمس سنوات، لينقلوا العقيدة والفقه والسيَر، وغيرَها من علوم العربية والشريعة، إلى مواطنهم الأصلية بالمغرب الإسلامي، وانتهاءً بقطبي المشرق والمغرب في بدايات القرن الماضي: قطبِ المغرب العلاَّمة امحمد بن يوسف اطفيش (3)، وقطبِ المشرق الإمام نور الدين السالمي (4).

وهذا الملتقى المبارك مظهرٌ من مظاهر الاتصال والتواصل العلميٍّ والفكريِّ والدعويِّ، الذي لا بدَّ منه لتحقيق مفهوم العالمية للدين الإسلامي، بما تعنيه هذه الكلمة، وبخاصَّة أنَّ قوى الفساد تبسط يدها على ثلَّة من المسلمين الأمازيغ في شمال إفريقيا، وتعمل جاهدة لتنصير السفهاء والبسطاء منهم، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (سورة البقرة، 11).

ولعلَّ أهمَّ الأسئلة التي تصبُّ في إشكالية التأثير والتأثر، هي:

*هل يوجد بحقٍّ فقه يسمَّى: الفقه المشرقي، وفقه آخر يعرف بالفقه المغربي، داخل المدرسة الإباضية؟

* وبعبارة أخرى: هل معالم وخصائص كلِّ فقه مختلفةٌ عن معالم الفقه الآخر، أم أنهما مجرَّد فقه واحد، بينهما بعض أوجه الاتفاق والاختلاف، ولا يمكن البتة أن نتحدث عن مدرستين متباينتين في الفقه؟

وللجواب على هذه الأسئلة جاءت هذه المداخلة، وبالله نستعين:

لا اختلاف في العقيدة والدين:

إنَّ المتتبع لمصادر التراث المشرقي والمغربي على السواء يلاحظ بداية أنَّ ثمَّة وحدة عضوية تجمع بين علماء الإباضية، وهي أنَّهم غير مختلفين فيما لا يجوز الاختلاف فيه، وفيما لا يعذر فيه المخالف، ذلك أنَّهم يجمعون على أنَّ الديانة بمعنى العقيدة «اسم يشتمل على ما بانت به كل فرقة من صاحبتها، مما اعتقدوه دينا يدان لله تعالى به، وقطعوا فيه عذر من خالفهم، سواء كان ذلك حقا أم باطلا، أو عمدا أو خطأ» (5)

وبالتالي، فلا نكاد نطالع مسألة اختلفوا فيها وهي مما يقطع فيه عذر المخالف، ولقد نستثني مسألة

٦٢ / ١٩٧