من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٩٢من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان
الدكتور: محمد بن صالح ناصر
مؤلف وباحث ـ الجزائر
مدخل:
من خلال قراءاتي المتعددة لمراسلات المشايخ فيما بينهم، ولاسيما ما كتبوه وتداولوه بينهم إبان الحركة الإصلاحيَّة ونهضتها ما بين (1925 - 1962) أصبحت عندي قناعة ازدادت مع الأيَّام رسوخًا، بأنَّ هذه المراسلات تعد من أهمِّ الوثائق المؤرِّخة لتلك الفترة، ذلك لما تحتوي عليه من أهميَّة كبرى تكمُن في غناها الفكري المتنوِّع، وهو ما يؤهِّلها لتكون دون مبالغة من أهمِّ الوثائق التاريخيَّة لمن يرغب في الاطلاع على مصادر الحركة الإصلاحيَّة وأعلامها وروادها وأحداثها، وهي جزءٌ حيوي من تاريخ الجزائر المعاصرة، ولاسيما في المجالات الدينيَّة، والاجتماعيَّة، والتربويَّة، والسياسيَّة.
فإنَّه إضافةً إلى ما تحتوي عليه "الرسالة" بطبيعتها من عفويَّة، وصدق، ومتابعة تضمُّ في ثناياها خصائص المذكِّرات، واليوميات، والتقرير، والوصف الخبري، والتحقيق الصحفي، والنقد الصريح للمواقف والأفكار، فإنَّها تنِمُّ قبل هذا وذلك عن نفسية كاتبها دون تزييف أو تجميل، لأنَّ هذه المراسلات تتمُّ غالبا بين أصدقاء أوفياء تربط بينهم زمالة دراسيَّة أو مهنيَّة أو أُسريَّة، ومن ثمَّ فهي تجمع بين خصائص الكاتب الشخصيَّة صاحب الرسالة، كما تصبح في الوقت نفسه مرآةً عاكسة لأحداث الحياة الجماعيَّة في هذا الوطن أو ذاك.
وقد فهمتُ من خلال قراءتي لهذه الرسائل سرَّ اهتمام أصحابها بها كتابةً وردًّا، ولا سِيَمَا عند مشايخ الحركة الإصلاحية وأدبائها الذين غدا هذا النوع من الأدب الرفيع صنفًا لهم، ورباطًا أخويًّا متينًا بينهم، وأدركت ـ كما لم أدرك من قبل ـ سرَّ احتفالهم هذا الاحتفال العظيم بهذه الرسائل.
والحق إنَّ الفضل الأكبر ـ بعد اللهـ يعودُ إلى الحظِّ الذي ساقني إلى الإطِّلاع على مجموعات مراسلات الشيخ أبي اليقظان (رحمه الله)؛ فهو معروفٌ بعنايته بهذا الجانب كتابةً، وجمعًا، وحفاظًا. كان الشيخ في مراسلاته المتعدِّدة إلى خارج الوطن وداخله كالمنارة الشامخة في لجَّة البحر توزِّع النور وتنشُره إلى كلِّ الآفاق، فتكون بذلك مُرسلةً للنور، هادية للسفن القادمة من مشارف الأرض ومغاربها.
لقد كان الشيخ أبو اليقظان بما أوتي من همَّة عاليَّة، ودأبٍ على الكتابة والمواظبة عليها، ومتابعةٍ دائبةٍ حثيثةٍ للأحداث من حولهـ رغم مرضه آخر العمر ـ مركزا مشعًّا لمشايخه، والأستاذة، والطلاَّب، والمستفتين، ومن ثمَّ كثرت مراسلاته وتنوَّعت، وهو ما جمع بين يديه رسائل كثيرة من أمثال، الشيخ عدُّون، الشيخ علي معمَّر، الشيخ أبي إسحاق، الشيخ محمَّد علي دبُّوز، الشيخ حمُّو