مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الافتتاحية

الجزء ١ · صفحة ١

بسم الله الرحمن الرحيم

الافتتاحية

بقلم: الدكتور/ مصطفى صالح باجو

أستاذ بكلية الشريعة والقانون

مسقط ـ سلطنة عمان

نهرُ الحياة موارٌ تتدافع فيه الأمواج، وتتلاحق فيه الأجيال، وتمضي الأجيال بما حملت من طموحات ومشاريع، وما أنجزت من أعمال وحققت من آمال، ولكلِّ جيل قصَّة وحديث، ولا يبقى من كل ذلك غير جميلِ الذكرِ، وعاطرِ الثناء.

على هذا النسق تتوالى السنون وتتتابع الأحداث، وتمضي الأجيال إلى أجلها المحتوم، وتخلُدُ الأعمالُ إن شَرُفت بنُبل المقاصد وسداد المنهج، فتظلُّ معالمَ للاَّحقين، تهديهم في خِضَمِّ الحياة إلى أقوم المسالك، وتحميهم من سُوء المهالك.

والمسلمُ في خضمِّ الحياة تحملُه العقيدةُ على سفينتها، فيأمنُ غوائل الغرق، ويَصلُ برَّ الأمان بسلام، وتَحكُم وِجهَتَه الغايةُ البعيدة؛ متمثلة في رضوان الله والفوز بجنَّة النعيم، فيختصر الجهد ويصل الغاية من أقصر طريق وأيسر مجهود.

ودورية الحياة مَعلَمٌ في مسيرة معهد الحياة، ولبنةٌ أرساها أبو المعهد الرضيِّ؛ الشيخ شريفي سعيد، عليه شآبيب الرحمة والرضوان، غَرَسَه بيده المباركة، وسقاه من رُوحِه الطيِّبة، وتعهَّدَه بحرصه الدؤُوب، فاستقام دوحةً باسِقةَ الأغصان يانِعَةَ الثمار، في روضِ المعهدِ المعطار.

قبل تسع سنين كان ميلادُ باكورة دورية الحياة، وما كان أحدٌ يضمن أن يشهد الشيخ عدُّون وهو يُقارب المائة من السنين ميلادَ ثمانية أعدادٍ من هذه الدورية المبارَكة .. أجل ثمانية أعدادٍ كاملة حملت عرش المعهد عاليًا، وأبلغت رسالتَهُ إلى من كان قاصيًا ودانِيًا، وعرَّفَت بنتاج هذه القلعة الشامخة، من ثمرات أبنائِها ممَّن درج في أحضانِها، كما أسهم فيها مَن نَالَهُ عطرُهَا فانتشى بشذَا رَيْحَانِها، وانتمى إليها مُحِبًّا مُخلِصًا، ورِدءًا مُناصِرًا، فتكاملت بالجميع باقةُ الدورية في أعدادها الثمانية، وفتحت للخير أبوابَ الجنَّة الثمانية.

ومضى الشيخ عدُّون قرير العين إلى مولاه، وما سئِمَ تكاليف الحياة، بل ظلَّ يَنشُدُها ويَرتَجيها سُلَّمًا للفوز بالفردوس الأعلى، حين اتَّضحت أمامه الغاية، وصدقت لديه العزيمة، وخلص منه القصد، فظلَّ القلبُ شبابًا والجسدُ على أعتاب القرن، ولسانُ حاله ومقالِه يُنشِدان:

رَضَيتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ.:.:. مَعَ اللهِ قَرْنًا لَيْسَ يَسْأَمُ، فَاعْلَمِ (1)

أجل لقد مات الشيخ عدُّون، وما ماتَ غَرْسُهُ الذي غَرَس، ولا صَوَّحت أشجارُه التي سَقَى، بل

١ / ١٩٧