الجانب الفكري في المذهب الإباضي
الجزء ١ · صفحة ١٨وسلم: "الدين النصيحة" قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم".
فإن لم تُجْدِ النصيحة معه نفعاً، وأصر على مخالفته لأمر الله تعالى، وأبى واستكبر، فإن ولايته تسقط عن المسلمين، وتصبح طاعته غير واجبة عليهم؛ لأن الحق فرع الواجب، وقد سقط حقه لعدم قيامه بواجبه، وحينئذ يكون المسلمون في حل من أمرهم في أن يولوا عليهم إماماً آخر يقوم فيهم بحكم الله، ويقيم فيهم شرعه وأحكامه وحدوده.
وهنا لا يخلو الأمر من أحد احتمالين: إما أن يكون ذلك الإمام الظالم ضعيف الشوكة قليل الأتباع، ومن السهل خلعه وإقامة إمام آخر مكانه، وهنا ما على المسلمين سوى المسارعة إلى القيام بدون تردد، وإما أن يكون ذلك الإمام الظالم قوي الشوكة كثير الأتباع والأنصار، وكان القيام عليه غير مضمون العواقب، وحينئذ فإن المصلحة تقتضي التريث واتخاذ تخطيط جديد، ولكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال الاستسلام للأمر الواقع والاستكانة لظلم الظالمين.
وهنا يأتي دور العلماء في القيام بواجبهم، وهو دعوة الناس إلى التمسك بتعاليم دينهم الحنيف، والسعي إلى إقامة الدولة الإسلامية المنشودة، والتي ستوفر لهم الأمن والأمان، وتقيم فيهم حدود الله وأحكامه وشرعه. وهذه الحالة هي ما تسمى لدى الإباضية بمرحلة الكتمان.
ولسنا هنا في تحديد صفات الإمام ومسؤولياته، فهي معروفة لدى الجميع، غير أن ما يميز الإباضية في هذا الجانب شيئان:
1ـــ عدم اشتراط القرشية: فالإباضية يرون أن كل مؤهل لإمامة المسلمين يمكن أن يكون إماماً، بغض النظر عن قبيلته وعرقه، وهذا بلا شك يتفق مع المساواة التي جاء الإسلام لترسيخها، والتي تتنافى مع هذا الشرط الذي لم يكن معروفاً حين اختلف المهاجرون والأنصار على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يدر في مداولاتهم ولم يشر إليه أحد.
والضابط لدى الإباضية في نسب الإمام إنما هو المصلحة، فإذا رأى المسلمون أن من المصلحة تولية إمام من قبيلة أو عشيرة معينة مع توافر الشروط الأخرى فيه فلا مانع من مراعاة ذلك، ويحدث أحياناً عكس ذلك تماماً، وهو أن تكون المصلحة في تعيين من لا عشيرة له، وهنا لا يتوانى الإباضية عن تعيينه، كما حدث في المغرب حين فضّل العلماء تعيين عبد الرحمن بن رستم الفارسي رحمه الله وهو فارسي لا عشيرة له، وكان هذا أحد الأسباب لاختياره إماماً، حيث رأى العلماء أن ذلك أفضل لسهولة تغييره إذا ما حاد عن الطريق السوي.
وقد عد كثير من الباحثين هذا النهج مثالاً واضحاً على النهج الديمقراطي الذي يتميز به الإباضية.
2ـــ جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل: فالإباضية يشترطون في الإمام شروطاً معروفة من حيث التقوى والورع والصفات الخَلْقية والخُلُقية، وإذا وجد أكثر من واحد تنطبق عليه تلك