نذكره في الجود والكرم
الجزء ١ · صفحة ١٠ثم شحطها وكشف عن جلدها، وقطعها أرباعاً فقذفها في القِدر، وصب عليها ماء وحفن عليها من الملح، وجعل يَحُشُّ تحتها حتى بلغت إناها، ثم ثرد في جفنة فعشّاهم، ثم غدّاهم، فأقام عنده يومين وليلتين، ثم أراد الرحيل فقال لغلامه: ارم إلى الشيخ بما أخرجت من النفقة، فقال: سبحان الله! إنما ذبح لك شاة فكافئه بمثلها خمس مرات، وهو بعد لا يعرفك. فقال: ويحك! إن هذا لم يملك من الدنيا غير هذه الشاة فجاد بها؛ وإن يكن لا يعرفني فأنا أعرف نفسي، ارمِ بها إليه، فقال: إنها أكثر من ذلك، قال: وإن كثرت. فرمى بها إليه - وكانت خمسمائة دينار - ثم ارتحل فأتى معاوية فقضى حاجته وأكرمه، وأقبل راجعاً إلى المدينة حتى قرُب من الشيخ، فقال لغلامه: يا مِقْسَم، مل بنا ننظر إليه كيف حاله، فإذا فناءُ رجل سِريّ، وإذا نار ورماد ودخان عالٍ وإبل كثيرة وغنم، ففرح بذلك، فقال له: أتعرفني؟ قال: لا والله فمن أنت؟ قال: أنا أبو منزلك ليلة كذا، قال: وإنك لهو! فجعل يقبّل رأسه ثم قال: جعلني الله فداءك! قد قلت أبياتاً فاسمعها مني، فقال:
توسّمتُهُ لمّا رأيتُ مَهابةً … عليه وقلتُ المرء من آل هاشمِ
وإلاّ فمن آل المُرار فإنهم … ملوك عِظام من ملوك أعاظم
فقمتُ إلى عنزٍ بقيّة أعنُز … فأذبحها فعلَ امرئ غير نادمِ
فعوّضني منها غناي ولم تكنْ … تساوي قليلاً من قليلِ الدراهمِ
فقلت لعِرسي في الخلاء وصبيَتي … أحقاً أرى أم تلك أحلام نائمِ
فقالوا جميعاً: لا بل الحق هذه … تَخُبّ به الركبان وسْطَ المواسم
بخمس مئينٍ من دنانيرَ عُوِّضت … من العنز ما جادت به كفّ حاتمِ
فضحك عبيد الله وقال: لما أعطيتنا أكثرُ مما أخذت، يا غلام أعطه مثلها. فبلغت فَعلته معاوية فقال: لله در عبيد الله! من أي بيضة خرج؟ وفي أي عش درج؟ هذه لعمري من فعَلاته.
ويروى من غير أن وجه: أن عبد الله بن جعفر - وكان من الأجواد المتقدمين - خرج يريد الشأم، فألجأه المطر إلى أبيات، فإذا قبة حمراء بفنائها رجل ينادي: الذَّرى الذرى! فأنخنا وحطّ عن رواحلنا، ثم أتى بجَزورٍ فنحرها، فبتنا في شِواء وقدير، وتحدث معنا هُنيهة من الليل، ثم انصرف وأتى بجزور فنحرها، فقلنا له: يرحمك الله! ما تريد بهذا وقد فضل ما فيه كفاية؟ فقال: كلوا رحمكم الله! فإنا لا نُطعم الضيف غابّاً. قال عبد الله: فدعوت بثوبٍ وجعلت فيه زعفراناً وصررت في كل طرف منه مائتي دينار، ثم بعثتُ به إلى أهله فقالوا: إنا لا نقدر على أخذه إلا بإذنه، وسألته أن يقبله فأبى، فلما ارتحلنا وودعته أمرت بالثوب، فأُلقي بين البيوت، قال: فإنا لنسير إذ لحقنا على فرس مُشرعاً رمحه، قد احمرت عيناه فصاح بنا: أغنوا عني هذه، ونبذه إلينا وولّى وهو يقول:
وإذا أخذتَ ثوابَ ما أعطيتَه … فكفى بذاك لنائل تَكديرا
وهذا يشبه ما حدثني به الرياشي من أن سليمان بن عبد الملك لما حج ونزل الطائف هارباً من وَمَد مكة، قال له رجل من ثقيف: انزل عليّ، فقال: إنك لن تطيقني، فقال: إني لأطيقك. فنزل عنده أياماً، ثم ارتحل، فأمره بالخروج معه، فقالت له امرأته: اخرج معه إلى مستقره، فقال: أعمل معه ماذا؟ أقول له أعطني ثمن ما أكلته عندي! لا والله لا أفعل أبداً ويروى أن الحسن والحسين عليهما السلام لاما عبد الله بن جعفر في إسهابه في إعطاء المال - وكانا من الجود ما لا نهاية له - فقال: بأبي وأمي أنتما! إن الله عز وجل عوّدني أن يمدّني بماله، وعوّدته أن أفْضِل على خلقه، فأكره أن أقطع العادة فتنقطع عني المادة؛ وهذا يشبه ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال: " الخلْق عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله " .
وفي عبد الله بن جعفر يقول القائل:
وما كنتَ إلا كالأغرِّ ابنِ جعفرٍ … رأى المال لا يبقى فأبقى به حمدا
ويروى أن نُصَيباً امتدحه فأعطاه خيلاً وإبلاً ودنانير ودراهم وثياباً، فقال أحد من حضر: أمِثلُ هذا الأسود يُعطى هذا المال؟ فقال: أما إنه لئن كان أسودَ إن شِعرَه لأبيض، وإن مدحه لعربي، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وما الذي أعطيناه؟ إنما أعطيناه مالاً يفنى، وثياباً تبلى، ومطايا تُنْضى وأعطانا ثناء يبقى، ومديحاً يُروى.