نذكره في الجود والكرم
الجزء ١ · صفحة ١١وهذا يشبه ما يروى عن معاوية أنه قال لرجل من ولد قيس بن معد يكرب: ما أعطى أبوك الأعشى حين مدحه؟ فقال: ثياباً وإبلاً وأشياء أُنسيتُها، قال: لكنه أعطاه ما لا يُنسى.
ويروى أن عبد الله بن الحسن قدم على أمير المؤمنين أبي العباس فسلم عليه والمال في ذلك الوقت قليل - فلما انصرف بعث إليه بثلاثين ألف درهم وقال له: أعلمتَ أن مثلي وهب لمثلك مثلَها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قدم عبد الله بن جعفر على يزيد بن معاوية فسلم عليه. فلما انصرف وجّه إليه بمائة ألف درهم وقال للرسول: احفظ ما يقول، فرجع إليه فقال: قال: اقرأ عليه السلام. قال يزيد: لم يرض ابن جعفر! اذهب إليه بمثلها، ففعل، فقال: قل له: وصلتكَ رحِم. قال أبو العباس: فاسق وهَب لمُسرف.
وحدثني الرياشي عن الأصمعي قال: كان ابن هبيرة وهو أمير العراق يقسم المال بين أصحابه ويقول:
لا تبخلنَّ بدنيا وهي مُقبلةٌ … فليس يَنقصُها التبذيرُ والسرفُ
فإنْ تولتْ فأحرى أن تجود بها … فالشكرُ منها إذا ما أدبرتْ خَلَفُ
ومثل ذلك قول يحيى بن خالد البرمكي لبنيه: يا بَنيّ، إذا أقبلت الدنيا عليكم فأعطوا منها فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنكم فأعطوا منها فإنها لا تبقى. وكان بعضهم يعطي العطايا السابقة ويفرّق التفرقة الواسعة، وينشد:
أنتَ للمالِ إذا أمسكتَهُ … فإذا أنفقتَه فالمالُ لكْ
ونظر الأحنف إلى درهم في يد رجل يقلّبه، فقال: أما إنه ليس لك حتى يخرج عن يديك.
ويروى عن يحيى بن خالد أنه كان يقول: لا يحسن بالملِك أن تكون جائزته أقل من ألف ألف، وجائزة وزيره أقل من خمسمائة ألف. وكان يعطي ويعتذر كما قال يزيد المهلبي:
كم صغَّروا منهمُ والله يكلؤهمْ … نعماءَ ما صُغّرت إلا لأن عَظُموا
ويروى أن المأمون قال لمحمد بن عباد المهلبي - وكان من أجود الناس: بلغني يا محمد أنك تصُبّ المال صباً، قال: يا أمير المؤمنين، حَبْس الموجود سوءُ الظن بالمعبود. وكان رسول الله صلى الله عليه يقول: " الله يقول: ابن آدم يقول: مالي مالي؛ مالك من مالِك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت " . وقال عليه السلام: " خصلتان ليس فوقهما من الخير شيء: الإيمان بالله عز وجل والنفع لعباده " . وقال عليه السلام: " من عظُمتْ نعمة الله عنده عظُمت مؤونة الناس عليه، فمن لم يحتمل تلك المؤونة عرّض تلك النعمة للزوال " . وقال عبد الله بن العباس: ما رأيت رجلاً لي عنده معروف إلا أضاء ما بيني وبينه، وما رأيت رجلاً أسأت إليه إلا أظلم ما بيني وبينه. ويروى عن عيسى عليه السلام أنه قال: استكثِروا من شيء لا تأكله النار، قيل: وما هو؟ قال: المعروف. وكان ابن السمّاك يقول: العجبُ ممن يشتري المماليكَ بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه.
وأنشد منشد عبد الله بن جعفر:
إن الصنيعة لا تكون صَنيعةً … حتى يصابَ بها طريقُ المصنَعِ
فإذا صنعت صنيعةً فاعمل بها … لله أو لذوي القرابة أو دعِ
فقال: هذان البيتان يُبخِّلان الناس، أمطر المعروف مطراً فإن أصاب الكرامَ كانوا له أهلاً، وإن أصاب اللئام كنت أهلاً لما صنعتَ. وقال معن بن زائدة: ما أتاني رجل في حاجة فرددته عنها إلا رأيت الغنى في قفاه. ويروى أن حكيم بن حزام قال: ما أصبحت ذا صباح قط فرأيت ببابي طالبَ حاجة، أو مستعيناً بي على أمر قد ضاق به ذرعاً إلا كان ذلك من النِّعم التي أحمد الله عليها، وإن أصبحت ذا صباح ولم أر ذلك كان من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها. وقيل لأبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام: لم حرّم الله الربا؟ قال: لئلا يتمانع الناس المعروف. وقال جعفر لسفيان الثوري: احفظ عني ثلاثاً؛ إذا صنعتَ معروفاً فعجِّله فإن تعجيله تهنئته، وإذا فعلته وهو كبير فصغِّره فإن تصغيرك إياه أعظم له، وإذا فعلته فاستره فإذا ظهر من غيرك كان أكبر لقدره، وأحسنَ في الناس.
وحدثني مسعود بن بشر قال: