في وقعة الجفرة
الجزء ١ · صفحة ٣٤وقال الأحنف: ثلاث في ما أقولهن إلا ليعتبر معتبر: ما دخلت بين اثنين حتى يدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من هؤلاء ما لم أدع، يعني السلطان ولا حللت حبوتي إلى ما يقوم إليه الناس.
تكسر الحاء وتضمها إذا أردت الاسم، وتفتحها إذا أردت المصدر، إنشدني عمارة بن عقيل لجرير:
قتل الزبير، وأنت عاقد حبوةٍ … قبحاٌ لحبوتك التي لم تحلل
ويقال في جمع حبوة: حبى وحبى، مقصوران.
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ماأحسن الحسنات في آثار السيئات وأقبح السيئات في آثار الحسنات، وأقبح من ذا وأحسن من ذاك السيئات في آثارالسيئات، والحسنات في آثار الحسنات.والعرب تلف الخبرين المختلفين، ثم ترمي بتفسير هما جملة، ثقة بأن السامع يرد إلى كل خبره. وقال الله عز وجل: " ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " وقال رجل لسلم بن نوفل: ما أرخص السؤدد فيكم فقال سلم: أما نحن فلا نسود إلا من بذل لنا ماله، وأوطأنا عرضه، وامتهن في حاجتنا نفسه. فقال الرجل: إن السؤدد فيكم لغال. ولسلم يقول القائل:
يسود أقوام وليسوا بسادة … بل السيد المعروف سلم بن نوفل
وقال معاوية رحمه الله لعرابة بن أوس بن قيظي الأنصاري: بم سدت قومك؟ فقال :لست بسيدهم،ولكني رجل منهم، فعزم عليه فقال: أعطيت في نائبهم وحلمت عن سفيههم، وشددت على يدي حليمهم، فمن فعل منهم مثل فعلي فهو مثلي، ومن قصر عنه فأنا أفضل منه، ومن تجاوزه فهو أفضل مني .
مدح الشماخ لعرابة بن أوس
قال أبو العباس: وكان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر، فجمعه الطريق والشماخ بن ضرار المري، فتحادثا، فقال عرابة: ماالذي أقدمك المدينة قال: قدمت لأمتار منها، فملأ له عرابة رواحله برا وتمراً، وأتحفه بغير ذلك،فقال الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي يسمو … إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد … تلقاها عرابة باليمين
إذا بلغتني وحملت رحلي … عرابة، فاشرقي بدم الوتين
ومثل سراة قومك لم يجاروا … إلى ربع الرهان ولا الثمين
قوله: " تلقاها عرابة باليمين " ، قال أصحاب المعاني: معناه بالقوة،وقالوا مثل ذلك في قول الله عز وجل : " والسموات مطويت بيمينه " وقد أحسن كل الاحسان في قوله:
إذا بلغتني وحملت رحلي … عرابة فاشرقي بدم الوتين
يقول: لست أحتاج إلى أن أرحل إلىغيره.
وقد عاب بعض الرواة قوله: " فاشرقي بدم الوتين " ، وقال كان ينبغي أن ينظر لها مع استغنائه عنها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصارية المأسورة بمكة وقد نجت على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبئس ما جزيتها " وقال: " لانذرفي معصية، ولا نذر للانسان في غير ملكه " .
ومما لم يعب في هذا المعنى قول عبد الله بن رواحة الأنصاري لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زيد وجعفرٍ على جيش مؤتة:
إذا بلغتني وحملت رحلي … مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذم … ولا أرجع إلى أهلي ورائي
الحساء : جمع حسي، وهو موضع رمل تحته صلابة، فإذا مطرت السماء على ذلك الرمل نزل الماء، فمنعته الصلابة أن يغيض، ومنع الرمل السمائم أن تنشفه، فإذا بحث ذلك الرمل أصيب الماء، يقال : حسي وأحساء وحساء، ممدودة.
وقوله : " ولا أرجع إلى أهلي ورائي " مجزوم لأنه دعاء، فقوله : " لا " يعني الجازمة، ومعناه :اللهم لا أرجع،كما تقول : زيد لا تغفر له، فهذا الدعاء ينجزم بما ينجزم به الأمر والنهي، كما تقول : زيد ليقم، وزيد لا يبرح وقد اتبع ذو الرمة الشماخ في قوله:
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته … فقام بفأس بين وصليك جازر
الوصل: المفصل بما عليه من اللحم، يقال : قطع الله أوصاله، ويقال :وصل، وكسروجدل،في معنى واحد .
باب
لرجل من رجاز بني تميم
في وقعة الجفرة
قال أبو العباس: أنشدني الوزي لرجل من رجاز بني تميم في وقعة الجفرة:
نحن ضربنا الأزد بالعراق … والحي من ربيعة المراق