الفصل الخامس: علم الكلام الإباضي
الجزء ١ · صفحة ١٨٨وكان القول بأن الإنسان يخلق أعماله قد ظهر في البصرة . وكان شخص يدعى معبد الجهني أول من استهل النقاش حول القدر هنا ( 45 ) . ثم إن هذا الرأي نشره تلميذه غيلان الدمشقي . والظاهر أن هذا الرأي وجد سبيله إلى الأوساط الإباضية في البصرة وسواها من الأمكنة . ويروى أنه جرى مناقشات حول هذه المسألة بين غيلان والإمام الإباضي الثاني ، أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ( 46 ) . على أن بعض الإباضيين اعتمدوا وجهة نظر القدرية لكن أبا عبيدة كان معارضا لهم بقوة . وبين الذين اعتمدوا وجهات نظر القدرية ذكرت المصادر الإباضية حمزة الكوفي ، والحارث الإباضي وعطية وهو من خراسان . ورفض أبو عبيدة وجهة نظرهم وقال لحمزة : (( يا حمزة على هذا القول فارقت غيلان )) وعمد الإباضيون إلى هجر حمزة وزملائه ، وطردوهم من المجالس الإباضية ولم يقربهم أحد )) ( 47 ) .
وكانت مسألة القدر إحدى المسائل الأساسية التي جرى الجدال والنقاش حولها بين الإباضية وخصومهم ، القدرية أولا ، ثم المعتزلة من بعدهم . ولقد كانت هذه النقاشات قائمة قبل أبي عبيدة . وقال أبن سفيان محبوب بن الرحيل إن صحار العبدي ، شيخ أبي عبيدة ، كان يقول : كلموهم ( القدرية ) في العلم ، فإن أقروا به نقضوا أقوالهم وإن أنكروه كفروا )) ( 48 ) .
وكان أبو عبيدة نفسه قد اعتاد مناقشة مسألة القدر ، متبعا الأسلوب نفسه الذي استنه أستاذه صحار . ويقال إن رجلا جاء أبا عبيدة وتكلم إليه في القرد ، فقال له أبو عبيدة : (( هل علم الله ما العباد عاملون ، وإلى ما هو إليه صائرون قبل أن يخلقهم ؟ فقال الرجل : ما أسرع ما استعنت بالعلم يا أبا عبيدة ، وإنما هذه مسائل الضعفاء . فقال له : أجب هذا الضعيف )) فلم يجبه فافترقا ( 49 ) .
ويروى أيضا أن معتزليا يدعى ابن الشيخ البصري ، فيما كان يقوم بالسعي وهو في الحج في مكة ، سأل أبا عبيدة : (( أأنت الذي يزعم أن الله يعصى بزعم إرادته )) ( 50 ) .