الفصل الخامس: علم الكلام الإباضي
الجزء ١ · صفحة ١٩٤فقد أعلن عبد الله بن إباض البراءة من نافع بن الأزرق فهو مرتد عن الإسلام مشرك لأنه قتل نساء وأطفالا مسلمين واستولى على أمولهم غنيمة ( 66 ) . واتخذ جابر بن زيد نفس موقف عبد الله بن إباض ، وراح يناقش الخوارج ويرفض وجهة نظرهم فيما يتعلق بموقفهم من خصومهم المسلمين ( 67 ) ، ويروي أن جابر بن زيد عرف بأن زيد بن الأعشم الذي كان يعتقد أنه مسلم صالح ، كان ينظر إلى خصومه المسلمين كمشركين . فأرسل إليه جابر وسأله رأيه في (( الهدي )) التي يضحي بها المسلمون الخصوم . وجاء رده : (( اذبحها وآكل أكبادها وسنامها ؛ لا هدي لهم )) . ومعنى هذا القول الموجز أن زيد بن الأعشم كان يرفض أن يعتبر الأضاحي التي يضحي بها المسلمون الخصوم للخوارج تضحية لله لأنه يعتبر هؤلاء مشركين ، ويرى أن ذبحها شرعي إذا ما وقعت في يده ، بحرية ، لأنه ليست مما أهل به الله ، والأكباد والسنام هي أفضل لحم الجمال ؛ فرفضه جابر وشجبه ( 68 ) .
ولم يتخل الإباضية عن هذا المبدأ خلال تاريخهم ، فلم يقتلوا نساء خصومهم ولا أطفالهم ، ولا أجهزوا على الجرحى ، ولا تعقبوا عدوا لهم مهزوما ، ولا غنموا أموالهم ( 69 ) . ومن أشهر الأمثلة على هذا الموقف عمل مشهور لأبي منصور إلياس ، حاكم جبل نفوسة باسم الإمام الرستمي الرابع محمد بن افلح . فقد قام أبو منصور إلياس بمحاربة العباس بن طولون الذي هاجم طرابلس سنة 267 هـ ، وانتظر عليه ، لكنه ترك في أرض المعركة ستين حملا من الذهب لم يأخذ منها قطعة واحدة ( 70 ) . ويقول العلامة الإباضي أبو يعقوب الوارجلاني في تعليق له على هذا الحدث : (( يا هلا من خسارة كبيرة ! )) ( 71 ) .