الفصل الخامس: علم الكلام الإباضي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠ومن ناحية أخرى يقال إن أبي بن كعب قال إن الدعاء الذي يتلى بعد صلاة الوتر هو جزء من القرآن ( 97) . ومن المحتمل أن بعض الناس ممن تأثروا بموقف ابن مسعود قالوا إن السورتين الأخيرتين في القرآن ليستا إلا دعاء . ولتجنب أي ارتباك يحصل عن الآراء التي تنسب إلى ابن مسعود وأبي بن كعب ، فقد جمعت المراجع الإباضية تلك الأحاديث التي تروى عن ابن عباس وعقبة بن عامر للحسم في القضية .
أما بالنسبة لمسألة خلق القرآن ، فليس معروفا أن الربيع بن حبيب أو خليفته وائل بن أيوب ، قد خلصا إلى رأي حولها . وبالنسبة لعبد الله بن يزيد الفزاري ، الفقيه النكاري ، فقد قارب الموضوع بنفس طريقة جابر بن زيد وناقش فقط مسألة الإضافة للقرآن أو الحذف منه ( 98 ) . وجرت مناقشة خلق القرآن لأول مرة في الأوساط الإباضية في عمان في العقود الأولى من القرن الهجري الثالث . ولقد قال الفضل بن الحواري ( ت 278 / 891 ) إن شيوخ الإباضية ومنهم الوضاح بن عقبة ، وسعيد بن محرز ، ومحمد بن هاشم ، ومحمد بن محبوب وآخرون ، التقوا في منزل في ( دما ) في عمان وتناقشوا في القرآن . محمد بن محبوب قال : (( إنني أقول أن القرآن مخلوق )) ؛ فغضب محمد بن هاشم وقال : (( سأترك عمان ولن أبقى فيها أبدا )) ، وظن ابن محبوب أن ابن هاشم يشير إليه فقال : (( أنا أولى بالخروج من عمان ؛ فأنا غريب عنها )) ( 99 ) .
وعلى أي حال يروى أن هؤلاء الشيوخ أنفسهم اجتمعوا ثانية ، ورجع محمد بن وحبوب عن موقفه السابق لتجنب الانشقاق ( 100 ) .
ويرى أبو يعقوب الوارجلاني أن مسألة خلق القرآن أثارها أبو ساكن الديصاني وهو من أصل فارسي جاء البصرة بغية إفساد المجتمع الإسلامي . وهو الذي أثرا هذه المسألة ( 101 ) . وقد تكون هذه القصة التي يرويها الوارجلاني غير صحيحة لكنها تبين أن مثل هذه المناقشات التي تؤدي إلى النزاع لم تكن محببة ، ولم تكن متوقعة من المسلمين .