دراسات عن الإباضية [نسخة مبوبة] عمرو بن خليفة النامي

منشأ نظام الولاية والبراءة :

الجزء ١ · صفحة ٢٨٦

والحادثة الأخرى تتناول الرجال الثلاثة الذين امتنعوا عن المشاركة في غزوة تبوك أي كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أبي أمية ، فقد حظر النبي على جميع المسلمين أن يكلموهم ؛ ثم أمرهم بعد فترة أسبوعين أن يعتزلوا نساءهم . واستمر ذلك خمسين ليلة حتى أنزل الله كلمته بشأنهم ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا .... ) ( 11 ) . وهكذا أعيدوا إلى المجتمع الإسلامي ( 12 ) .

وليس غرض هذا الكتاب أن ندرس نظام الولاية والبراءة في حياة النبي ؛ بل أن نبين نشأة هذا النظام مما أدى إلى تأسيسه في العقيدة الإباضية في وقت لاحق . لقد درس الإباضية هذا النظام على أساس القرآن والسنة والإجماع . ولئن كانت هذه المصادر الأولية للشرع هي المتبعة من قبل المذاهب الإسلامية الأخرى ، فإن الإباضيين فقط هم الذين طوروا نظام الولاية والبراءة هذا وأعطوه أهمية كبيرة من الناحيتين النظرية والعملية . ومرد ذلك إلى طبيعة الحركة الإباضية والظروف التي تأسست فيها .

لقد تأسست الحركة الإباضية في أوائل عهد بني أمية وكان عليها آنذاك أن ترسخ جذورها في البلدان الإسلامية وأن تتجنب قمع الولاة الأمويين .وكانت البصرة مركز هذه الحركة النامية مما جعل الإباضيين يواجهون محاكمات عديدة في ظل (( أقسى الولاة في زمانهم )) ، أي زياد بن أبيه ، وابنه عبيد الله ، والحجاج بن يوسف ؛ وكانت الحركة الإباضية آنذاك في مرحلة الكتمان ووفقا لحاجات هذه المرحلة ، قامت منظمة سرية لنشر تعاليم الإسلام الصحيحة بعيدا عن أنظار (( الطغاة )) . وأنشئت عدة مجالس لاجتماعات علماء الإباضية ، وللتعليم الديني لأعضاء هذه الفئة لتحقيق متطلبات المنظمة .

٢٨٦ / ٣٥٠