تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

سورة إبراهيم

الجزء إبراهيم · صفحة ٠
[سورة إبراهيم — آية 27]

قوله : ﴿ يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ ﴾ .

بلغنا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : إن المؤمن إذا وضع في قبره ورجع عنه أصحابه أتاه ملك فأجلسه ، ثم يقول له : من ربك؟ فيقول : الله ربي . ثم يقول له : وما دينك؟ فيقول : الإِسلام . ثم يقول له فمن نبيك؟ فيقول : محمد صلى الله عليه وسلم . فيقال له : صدقت . ثم يفتح له باب إلى النار ، ثم يقال له : انظر إلى هذه النار التي لو أنك كذبت صرت إليها ، وقد أعاذك الله منها . ثم يفتح له باب إلى الجنة ، ثم يقال له : هذه الجنة ، ثم يرى منزله فيها فلا يزال يأتيه من ريح الجنة وبردها ، حتى تأتيه الساعة .

وإن الكافر إذا وضع في قبره ، ورجع عنه أصحابه أتاه مَلَك فأجلسه ، ثم قال له : من ربك؟ فيقول : لا أدري ، ثم يقول له : من نبيّك؟ فيقول له : لا أدري ، فيقال له : لا دريت ، ثم يفتح له باب إلى الجنة فينظر إليها : ثم يقال له : هذه الجنة التي لو أنك آمنت بالله ، وصدقت رسوله ، وعملت بفرائضه صرت إليها ، لن تراها أبداً ، ثم يفتح له باب إلى النار ، فيقال له : هذه النار التي أنت صائر إليها ، ثم يضيق عليه قبره ، ثم يضرب ضربة لو أصابت جبلاً ارفض ما أصابت منه ، قال : فيصيح عند ذلك صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين . قال : فهو قوله : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة .

قال : ﴿ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ ﴾ .

ذكر جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن هذه الأمة تبتلى في قبورها . إذا أدخل المؤمن قبره وتولىعنه أصحابه جاءه ملك شديد الانتهار فيقول له : ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول : إنه رسول الله وعبده . فيقول : انظر إلى مقعدك الذي كان لك من النار ، قد أعاذك الله منه ، وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة ، فيراهما كليهما ، فيقول المؤمن : دعوني أبشر أهلي ، فيقال له : اسكن .

وأما المنافق فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول : لا أدري ، أقول ما يقول الناس ، فيقال له : لا دريت ، هذا مقعدك الذي كان لك من الجنة قد أبدلت مكانه مقعدك من النار » .

قال جابر : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « يبعث كل عبد في القبر على ما مات عليه؛ المؤمن على إيمانه ، والمنافق على نفاقه »

ذكر البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبع جنازة رجل من الأنصار ، فلما انتهى إلى قبره وجده لم يلحد .

فجلس وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير ، وبيده عود ينكث به الأرض ، ثم رفع رأسه فقال : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر . قالها ثلاثاً .

إن المؤمن إذا كان في قِبَل من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتته ملائكة وجوههم كالشمس بحنوطه وكفنه ، فجلسوا منه بالمكان الذي يراهم منه . فإذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض ، وكل ملك في السماوات ، وفتحت أبواب السماء ، كل باب منها يعجبه أن تصعد روحه منه . فينتهي الملك إلى ربه فيقول : يا ربّ ، هذا روح عبدك . فيصلي الله عليه وملائكته ويقول : ارجعوا بعبدي وأرُوه ما أعددت له من الكرامة ، فإني عهدت إلى عبادي أني ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ ﴾ [ سورة طَهَ : 55 ] فيرد إليه روحه حتى يوضع في قبره . وإنه ليسمع قرع نعالهم حتى ينطلقون عنه ، فيقال : من ربّك ، وما دينك ، ومن نبيّك؟ فيقول : الله ربّي ، والإِسلام ديني ، ومحمد نبيّي ، فنادى منادٍ : ﴿ يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ ﴾ .

ويأتيه عمله في صورة حسنة وريح طيبة فيقول : أبشر بحياة فيها نعيم مقيم ، فقد كنت سريعاً في طاعة الله ، بطيئاً عن معصية الله ، فيقول : وأنت فبشّرك الله بخير ، فمثل وجهك يبشّر بالخير ، فمن أنت؟ فيقول : أنا عملك الحسن . فيفتح له باب من أبواب النار فيقال له : هذا منزلك ، فأبدلك الله خيراً منه . ثم يفتح له منزله من الجنة ، فينظر ماذا أعد الله له من الكرامة فيقول : يا رب متى تقوم الساعة كي ارجع إلى أهلي ومالي ، فيوسّع له في قبره ويرقد .

وأما الكافر فإذا كان في قِبَل من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتته الملائكة بسرابيل من قطران ، ومقطعات من نار . فجلسوا منه بالمكان الذي يراهم . وينتزع روحه كما ينتزع السّفود الكثير شعبه من الصوف المبتل من عروقه وقلبه . فإذا خرج روحه لعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماوات ، وغلقت أبواب السماء دونه ، كل باب يكره أن يصعد روحه منه . فينتهي لملك إلى ربه فيقول : يا ربّ هذا روح عبدك فلان لا تقبله أرض ولا سماء ، فيلعنه الله وملائكته فيقول : ارجعوا بعبدي فأروه ما أعددت له من الهوان ، فإني عهدت إلى عبادي أني منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم . فيردّ إليه روحه حتى يوضع في قبره ، وإنه ليسمع قرع نعالهم حين ينصرفون عنه . فيقال له : ما دينك ومن ربك؟ فيقول : لا أدري . فيقال له : لا دريت .

فيأتيه عمله في صورة قبيحة وريح منتنة فيقول : أبشر بعذاب مقيم ، فيقول : وأنت فبشّرك الله بشرّ ، فمثل وجهك يبشّر بالشر ، فمن أنت؟ فيقول : أنا عملك الخبيث . ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له : هذا منزلك لو أطعت الله .

ثم يفتح له منزله من النار فينظر إلى ما أعدّ الله له من الهوان ، ويُقيَّض له أصم أعمى بيده مرزبة لو توضع على جبل لصار رفاتاً ، فيضربه ضربة فيصير رفاتاً . ثم يعاد فيضربه بين عينيه ضربة يصيح بها صيحة يسمعها من على الأرض إلا الثقلين ، وينادي منادٍ أن أفرشوه لوحين من النار ، فيفرش لوحين من نار ، فيضيّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه .

١٬٧٧٧ / ٦٬٢٣٦