المقام الأول: [حكم الطاعن في الدين]
الجزء ١ · صفحة ٣٦و كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يرفع دِرَّتَهُ عمَّن أَلَمَّ بشيء من أيسر الأشياء يرى أنَّه ينافي الدين، أو يباين مقاصد [24] المسلمين، أو يعترض على سبيلهم، بل كان يأمر بالأوامر الصَّارِمَةِ في الأمة حَذَراً من أَنْ يقع أمرٌ لا تُحْمَدُ عقباه، و تكفي قضية نَصْرِ بن حَجَّاج (3) مثالاً، و كم لها من أخوات.
و كذلك سائر الأئمَّة بعده - رحمهم الله و رضي عنهم - يناضلون عن الدين، فالإمام السالمي - رحمه الله - جاهد فيه بقلبه، و لسانه، و يده، بل بكل شعوره، و طاقته، و ما لَدَيَّه من قوة، و جَدَّ في إحياء معالمه، و اجتهد في إيضاح مراسمه، حتى وفقه الله : " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " (4)، و كذلك الإمام القطب - رحمه الله -.
فهذان العالمان الرضيان المرضيان جددا من معالم الدين ما اندرس، و شادا من قواعده ما تبعثر و انتكس، و على مَنْ يأتي بعدهما أن يسير في الأمة سَيْرَهما، و قد أخذ الله - عز وجل - العهد على العلماء في القيام بواجب الدين، فإذا قَصَّرُوا قصَّر الله بهم، و قصَرِت درجاتهم عنده، و إذا لم يفعلوا فعل الله بهم ما توعدهم به، و الله صادق الوعد، صادق القول و الفعل، نافذ الأمر يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، و إليه المَرْجِعُ و المئابُ.
و قد مشى الأئمَّة في الإسلام على هذا النَّظَام، و هَلَكَ عليه أولئك الأتقياء الكرام، كأبي بلال، و أبي حمزة (5)، و عبدالله بن يحيى الكندي (6)، و أبي الشعثاء جابر بن زيد، و أضرابهم، و ناهيك بالجلندى بن مسعود، و أعوانه، لم يرتضوا في الدين المداهنة، و لا في الحق الأنْفُس الخائنة، فهم [25] المسلمون الذين يحيا بهم الدين، و يتركز على عزومهم فوق رؤوس المجرمين.