التوكل والتفويض
الجزء ١ · صفحة ٧٢إن الشخصية الإسلامية لا تتكامل إلا إذا تكاملت فيها كل الجوانب بحيث يكون المظهر عنوان الباطن ، والسلوك ثمرة الإيمان ، والعمل نتيجة الإخلاص والصدق في التوكل .
إن الإسلام يريد شبابا يأخذون من ليلهم بقدر ما يعينهم نهارهم ، من نومهم بقدر ما يعينهم على يقظتهم ، وصحوهم ، ومن تهجدهم بالأسحار ما يكون لهم عونا على طاعة الله في النهار ، شباب في الليل رهبان في النهار فرسان ، فرسان - على الأقل - على مسرح الحياة ، وهم بين معلم مخلص في مهمته ، ينشر العلم بين الناس ليسود بينهم الحب في الله وتقوم فيهم الأخوة الصادقة ، والتكافل النافع ، وبين تاجر يصدق الله في تجارته ، فلا يروج للحرام ولا يكسب المال إلا من حله ، لينفقه في محله ، وبين مزارع يقضي أوقاته يخدم الأرض ، ويسقي الغرس ، ليأكل من عرق جبينه وكد يمينه ، ثم بعد ذلك ليصل خيره إلى الأمة المسلمة ، فتحقق إكتفاءها من حاجاتها الضرورية ، ولا تبقى عالة على غيرها يعطيها - إن شاء - منّا . ويمنعها - إن أراد - إنتقاما وإذلالا .
وعلى ذلك فقس . وإذا تحقق للأمة الفهم لمعنى التوكل ونفضت عن نفسها غبار التواكل . فستراها أمة عظيمة تحقق العزة والنصر . فتسود الطمأنينة القلبية ، وتشيع الراحة النفسية وتكون - فعلا - آنذاك جسدا واحدا مترابطا كالبنيان المرصوص ، يصعب على العدو اختراقه أو يستحيل ، لأنه مجتمع أخلص النية ، وأحسن التوكل ، وفهم معناه ، ثم فوض أمره إلى الله الذي لا يتخلى عن عباده المؤمنين .
أما الصنف الثاني فهو مفرط في اعتماده على نفسه . ضعف الحبل الذي يصله بالله تعالى ، فعظم نفسه ، وأعتمد على قدراته الجسدية والفكرية. وأصبح الدرهم هدفه الذي من أجله يستيقظ وينام ، ويرتحل ويقيم ، حتى أدى به إلى الغرور وظن في نفسه القدرة والعظمة ، فسار في الأرض مختالا ينظر أحيانا إلى عضلاته المفتولة ، وأخرى إلى عقله الكبير .