البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مقدمة

الجزء ١ · صفحة ٢

وأهمُّ هذه التساؤلات التي رُبَّمَا تطرأ في أذهان الكثير من المسلمين، خَاصَّة وهم يعيشون حالة من الانفتاح الثَّقافي غيرِ المنضبط في ظلِّ العَولَمَة، مع غيرهم من الأمم والثَّقافات التي تَحمل عقائد مُنحرفة مناقضة لصفاءِ الإسلام هي:

«هل يَجُوز وصف الله سبحانه وتعالى بالجهة والمكان، كالقولِ بأنَّ الله موجود في السماء؟»

وهذا السُّؤال يُطرَحُ خاصَّة مع التطوُّر العلمي وتأكُّدِ للبشريَّة* كرويَّة الأرض ودورانها حَوْلَ مِحوَرها ودوارنها حَوْلَ الشَّمس، ودوران المجموعة الشمسية بأكلمها في مدارها الخاص في المجرَّة، وبذلك تَنْتفِي الجهات، فما هو فَوْق في ثانية يصير أسفلاً في أخرى، وهكذا دواليك بِحيث لا يكون في الحقيقة جهة "فَوْق"ولا جهة "تَحْت"، بل كُلُّ جهة هي "فَوْق" بالنِّسبة للأخرى، وإنما يَظَلُّ الفَوْق اعتبارياً للإنسانِ؛ لأنَّ الجاذبية الأرضيَّة (السُّرعة) تَحميه من الشعورِ بدوران الأرض الرهيب، والذي وصفه الله تعالى بقوله:

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ;([1]).

فَلِهذَا أردت أن أُبيِّنَ أنَّ عقيدَة الإسلام أصفَى وأنقَى مِن مثل هذه الأفكار الساذجة المؤطَّرَة بِحدود الخيمة والإبلِ، وجغرافية الصحراء والجبل، وأنَّ هَذه العقيدةَ النقيَّة تقوم على حقيقَةٍ قَطعِيَّةٍ مَفادُها: أنَّ الله سُبحانَه وتَعالى لا يَجوزُ أن يُوصَف بالأمكنة والجهات، فَقَد كان قَبْلَ أن يَخلُق المكان دُون أن يَحتاج إلى مكان قال تعالى(;لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ;([2]).

٢ / ١٦١