البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مناقشة الاستدلال بالدعاء إلى السماء

الجزء ١ · صفحة ٩٨

نعم، إن قصد ابن تيمية بكلامه من لَم يُمارس التدبُّر والتفكُّر، ولَم يدمن النظر والتأمُّل للوصول إلى الْحقائق، فمسلم أَنَّهُ يعتقد أن كُلّ شيء هو بِجهة منه، ولَمَّا كان جاهلاً بِمعرفة كون التحَيُّز في الْجِهَات من صفات الْمَخلُوقات فَإِنَّهُ سيعتقد خالقه مُتَحَيِّزًا في جهة.

ولَمَّا كان جاهلاً لِكُروِيَّة الأَرض ونسبية كُلّ جهة وعدم وجود جهة واحدة تسمَّى فوق، ولَمَّا كان يرى أنَّ السماء تسطع فيها الشمس الْمضيئة، ويبزغ فيها القمر المنير وتتلألأ فيها النجوم، وأن السماء هي مصدر الْمَطَر الذي يغذِّيه بالماء الذي هو أساس الْحياة ظنَّ أنَّ خالقه موجوداً في السماء، بيد أن الْمسلم الذي امتثل لفريضة القراءة الكونية للنصوص الْمحكمة من الكتاب العزيز والسُّنَة النبوية الْمتوَاتِرة الْمجتمع عليها، يعلم علم اليقين بطلان قياس الْخالق بالْمَخلُوق، وفساد مثل هذه العقائد الأسطورية الْهرمسية.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]) ابن تيمية: "مَجموع الفتاوى"، 4/ 45.

[2]) البخاري: ر1359.

[3]) سورة النحل: 78.

---

مناقشة الاستدلال بالدعاء إلى السماء

نتيجة لاضمحلال القاعدة الْمعرفية لأتباع هذه الْمدرسة استساغ أهل الْحَدِيث الاستشهاد بشبه تُخاطب عاطفة العوام، كاستدلالهم برفع الأيدي في الدعاء لترسيخ عقيدة الْعُلُوّ، فالعاقل يدرك أن رفع اليدين هي عادة فطرية تعبِّر عن انتظار العطايا، ورفع الأيدي في الدعاء هو تمثيل لاستقبال عطايا أكرم الأكرمين.

وفي هذا الإطار يقول علي بن علي بن مُحمَّد بن أبي العزّ (ت: 792هـ): "وأمر التوجُّه في الدعاء إلى الْجهة الْعُلويَة مركوز في الفِطَر، والْمستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك، بِخلاف الداعي، فَإِنَّهُ يتوجَّه إلى ربِّه وخالقه"([1]).

٩٨ / ١٦١