البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

عقيدة أهل الحديث رؤية تاريخية

الجزء ١ · صفحة ٣٦

انتشرَ الإسلام انتشاراً سريعاً وهائلاً في أرجاء المعمورة، ودخلت فيه شعوب وأمم مُختلفة، تلك الشعوب والأمم كان لَها تاريخ فكري وإرث ثقافي من حكمة وأمثال وشعر وأدب وعلوم مدونة، وكتب مطولة، كما هو الحال عند اليهود والنصارى والزرداشتية والمزدكية والفلاسفة، ومنهم من مارس البحث العلمي والتنظير الفلسفي، فلما دخلوا في الإسلام بدءوا يطبقون تلك المناهج التي ورثوها من آبائهم على الفكر الجديد الذي يحمله الإسلام.

حَتَّى العقيدة عند بعض المسلمين لم تخل من تأثير تلك المواريث، والمستقصي لتاريخ المسلمين وعقائدهم يدرك أن الذين دخلوا في الإسلام من الأمم الأخرى الغنيَّة بالمواريث الثقافية لم يفهموه بِحذافيره كما فهمه العرب الفقراء إلى التاريخ والثقافة، فقد فهمه كُلّ قوم مشوباً بكثير من تقاليدهم الدينية القديمة، فصورة الإله عند النصراني غير صورته عند الفارسي، والتي هي بالطبع غير الصورة التي عند اليهودي أو الرومي أو الوثني، وكذلك الألفاظ المستعملة في الديانات كجهنَّم والْجنَّة وإبليس والملائكة والآخرة والنبي، ونحو ذلك من معان عند هؤلاء تخالف المعاني التي يتصورها الآخر.

والتأثير الأخطر لتلك الأفكار هو ذلك الذي زامن تشكّل العقل المسلم، وقد تَمَّ ذلك التأثير في عصر التدوين للنص (السنة النبوية) التي تَمت في القرن الثاني والثالث الهجريين، إِنَّه تأثير الفكر الفارسي وديانته المختلفة الزرداشتية والمزدكية والمانوية، بالإضافة إلى تأثير فكر أهل الكتاب، وتأثير الفلسفة اليونانية، هذا التأثير أدَّى إلى ظهور تراث الثقافات المختلفة في قوالب نصِّية منسوبة إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وإلى ما يُسَمَّى بالسلف الصالح الذين اعتمدتهم العقلية السلفية للمحدّثين كمرجعية موازية للنصِّ الخالص، والذي هو القرآن والسنَّة الصحيحة.

٣٦ / ١٦١