البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مناقشة الاستدلال بالفطرة

الجزء ١ · صفحة ٩٧

إنَّ هذا الكلام يرسخ مفهوم الْمعرفة حسب التصوُّر الصوفي القائم على انكشاف العلم عن طريق التقشف والتحنُّث، وهو الْمعروف لديهم بـ"العرفان"، بينما جاء القرآن الكريم ليدفع البشرية إلى التفكُّر والبحث والعمل من أجل اكتشاف حقيقة وجود الله تعالى عن طريق الاستدلال والبرهان، وابن تيمية في كلامه السابق يلجأ إلى هذا العرفان الصوفي الذي يذمُّه في كثير من مؤلَّفاته التي هاجم فيها الصوفية، وتَخلَّى عن البرهان القرآني، كُلّ ذلك من أجل ترسيخ عقيدة الْعُلُوّ الْهرمسية!.

ولا ندري من أين لابن تيمية وأتباعه أنَّ فطرة العوامِّ والأطفال هي أحد مصادر العلم والعقيدة، فالفطرة التي يدَّعي ابن تيمية مرجعيتها في العقيدة هي في الأصل الاستعداد التكويني لتقبُّل الأفكار، والدليل على ذلك قول الرسول e «كُلّ مولود يُولَد على الفطرة فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه»([2])، ومعلوم أنَّ الإنسان ساعة ولادته جاهل لا يعلم شيئاً، ?وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا?([3])، فكيف يستدلُّ بالفطرة إذا كانت الفطرة تعني الْجهل التام، والقابلية لبذر الْعلُوم طيبها وخبيثها؟ وهل سيقول ابن تيمية أَنَّهُ يَجب علينا سؤال الأطفال عن العقيدة الصحيحة؛ لأَنَّهم مولودون على الفطرة!.

وإذا كانت الفطرة كفيلة بتوضيح العقيدة الصحيحة فلماذا عبد البشر الأصنام والأوثان؟ ولِماذا لم تقدهم فطرتُهم إلى معرفة الله؟ وإذا كانت الفطرة كفيلة بِمعرفة العقيدة الصحيحة، فما فائدة إرسال الرسل وإنزال الكتب؟ وإذا كانت الفطرة كفيلة بِهداية الإنسان، فلماذا نرى كثيراً من الفجرة ينشأون في أفضل بيوت العلم والإيمان؟

٩٧ / ١٦١