سورة التوبة
الجزء ٢ · صفحة ١٣١يحلفون بالله مَا قَالُوا} بشيء مِنَ الكذب، فَأكذَبَهُمُ الله بقوله: ﴿وَلَقَد قَالُوا كلمةَ الكفر﴾ يعني قولهم: «إن كَانَ مَا يقول محمَّد حقًّا، فنحن شرٌّ مِنَ الحمير»، أو هِيَ استهزاؤهم، ﴿وكفروا بعد إسلامهم وهَمُّوا بِمَا لم ينالوا﴾ من قتل محمَّد - صلى الله عليه وسلم -؛ أو من إيثارهم بالدُّنْيَا [كَذَا] عَلَى الآخِرَة. ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ ومَا أنكروا وَمَا عابوا، ﴿إِلاَّ أن أَغنَاهم اللهُ ورسوله مِن فضله﴾ وذلك أنَّهم كَانُوا حين قَدِم رسول الله المدينة فيِ ضَنكٍ مِنَ العيش، لاَ يركبون الخيل وَلاَ يحوزون الغنيمة، فأُثْرُوا بالغنائم. وقتل للجلاَّس (1) مولىً، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بديَّة اثني عشر ألفا فاستغنى، ﴿فإن يتوبوا يكن خيرا لَهُم﴾ فيِ الدارين، ﴿وإن يتولَّوا﴾ بالإصرار عَلَى النفاق ﴿يعذِّبهم الله عذابا أليما فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة﴾، فكلُّ متولٍّ عَن أمر الله معذَّبٌ فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، بدليل هَذِهِ الآية، ﴿وَمَا لَهُم فيِ الأَرْض من وليٍّ وَلاَ نصير (74)﴾ ينصرهم مِنَ العذاب.
﴿ومنهم مَن عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصَّدَّقنَّ ولنكوننَّ مِنَ الصالحِينَ (75) فَلَمَّا آتاهم من فضله﴾ قيل: نزلت فيِ ثعلبة بن حاطب، ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ منعوا حقَّ الله، ولم يَفُوا بالعهد، ﴿وتولَّوا﴾ عَن أداء الواجب مِنْهُ، ﴿وَهُم معرضُونَ (76)﴾.
﴿فأعقبهم نِفَاقًا فيِ قلوبهم﴾ فأورثهم البخل نفاقا متمكِّنًا فيِ قلوبهم، لأَنَّهُ كان سببا فِيهِ. وقيل: جعل الله عاقبة فعلهم فيِ ذَلِكَ نفاقًا وسوءَ اعتقادٍ فيِ قلوبهم، ﴿إِلىَ يوم يَلقَونَه﴾ بالموت، أو يلقون جزاء أعمالهم، يريد: حَرَمهم التوبة ﴿بِمَا أخلفوا الله مَا وعدوه، وبما كَانُوا يَكذِبُونَ (77)﴾.
{
(1) - … في الأصل: «اللحلاس»، وهو خطأ.