التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة هود

الجزء ٢ · صفحة ١٩٤

ولئن أخَّرنا عَنْهُم العذابَ} عذاب مَا وُعِدوا بِهِ، ﴿إِلىَ أمَّة معدودة﴾ إِلىَ جماعة مِنَ الأوقات معلومة أو قلائل، والمَعنَى: إِلىَ حينٍ معلومٍ، ﴿ليقُولُنَّ مَا يَحبِسُه﴾ مَا يمنعه مِنَ النزول، استعجالا له عَلَى وجه التكذيب والاستهزاء، ﴿أَلاَ يومَ يأتيهم﴾ العذابُ ﴿ليس مصروفاً عَنْهُم، وحاق بهم﴾ وأحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ(8)﴾ (لَعَلَّهُ) بالعذاب الذِي كَانُوا يستعجلون؛ وإنَّما وضع: «يستهزءون» موضع «يستعجلون» لأَنَّ استعجالهم كَانَ عَلَى وجه الاستهزاء.

﴿ولئن أذقنا الإنسان﴾ هُوَ للجنس، ﴿مِنَّا رحمة﴾ نعمة، ﴿ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّهُ ليئوس﴾ شديد اليأس من أن تعود إِلَيْهِ مثل تلك النعمة المسلوبة، قاطع رجاءه من سعة فضل الله من غير صبر وَلاَ تسليم لقضائه، ﴿كفور(9)﴾ عظيم الكفران لِمَا سلف لَهُ مِنَ التقلُّب فيِ نعمة الله، نسَّاء لَهُ.

﴿ولئن أذقناه نعماءَ بعد ضرَّاءَ مسَّته﴾ كصِحَّة بعد سقم، وغنًى بعد عدمٍ؛ وفي اختلاف الفعلين نكتة لاَ تخفى بالنعم إِلاَّ معتربها[كَذَا]. ﴿ليقُولَنَّ ذهب السَّيِّئَاتُ عنِّي﴾ أي: المصائب التِي ساءتني، ﴿إِنَّهُ لفَرِحٌ﴾ أَشِرٌ بَطِرٌ، ﴿فخورٌ(10)﴾ على الناس بِمَا أذاقه الله من نعمائه، وقد شغله الفرح والفخر عَن الشكر؛ والفرح: لذَّة فيِ القلب، (لَعَلَّهُ) يبتلي بها المشتهي. والفخر هُوَ: التطاول عَلَى الناس، بتعديل المناقب، وذلك منهيٌّ عَنْهُ.

﴿إِلاَّ الذِينَ صبروا﴾ فيِ المحنة والبلاء، ﴿وعَمِلوا الصالحات﴾، وشكروا فيِ النعمة والرخاء، وطبعوا أنفسهم للطاعة عَن طبعها الأصلي، ﴿أُولَئِكَ لَهُم مغفرةٌ﴾ لصغائر ذنوبهم، ﴿وأجرٌ كبيرٌ(11)﴾ عَلَى صبرهم، أكبرمن كلِّ أجر فيِ الدُّنْيَا، ولو أُعطِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أجراً، فأجره فيِ الآخِرَة أكبر عَلَى مقابلة العذاب الكبير.

٥٩١ / ١٬٥٨٨