التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة هود

الجزء ٢ · صفحة ٢٠٣

أم يقولون: افتراه} بل أيقولون افتراه؟ ﴿قل: إن افتريته فعليَّ إجرامي﴾ إن صحَّ أَنِّي افتريته، فعليَّ عقوبة إجرامي، أي: افترائي؛ يقال: أجرَمَ الرجلُ: إِذَا أذنب. ﴿وأنا بريء﴾ أي: وإن لم يثبت ذَلِكَ وأنا بريءٌ مِنْهُ؛ ومعنى ﴿مِمَّا تُجرمُونَ (35)﴾: من إجرامكم فيِ إسناد الافتراء، فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم.

﴿وأُوحيَ إِلىَ نوح أَنَّهُ لن يُؤْمِنُ من قومك إِلاَّ من قد آمن﴾ فمن ذَلِكَ قَالَ: ﴿وَلاَ يلدوا إِلاَّ فاجرا كَفَّارًا﴾ (1)؛ ﴿فلا تَبتَئِس بِمَا كَانُوا يفعلُونَ (36)﴾ فلا تحزن حُزنَ بائس مستكين، وَالابتئاس: “افتعال” مِنَ البؤس، وَهُوَ الحزن والفقر؛ والمعنى: فلا تحزن بِمَا فعلوه من تكذيبك وإيذائك، فقد حان وقت الانتقام [مِن] أعدائك.

﴿واصنعِ الفلكَ بأعيننا﴾ أي: محفوظا، وحقيقته ملتبسا بأعيننا، أي: بحفظنا وعلمنا عَن أن تزيغ فيِ صنعته عَن الصواب، ﴿ووحينا﴾ وَإِنَّا نُوحي إليك، ونُلهِمك كيف تصنع. ﴿وَلاَ تخاطبني فيِ الذِينَ ظلموا﴾ وَلاَ تَدْعُنيِ فيِ شأن قومك، واستدفاع العذاب عَنْهُم بشفاعتك، ﴿إِنَّهُمْ مغرقُونَ (37)﴾ محكومٌ عَلَيْهِم بالإغراق، حين قُضي بِهِ وجَفَّ القلم، فلا سبيل إِلىَ استدفاعه.

﴿ويصنَعُ الفلكَ﴾ حكايةَ حالٍ ماضية، ﴿وكلَّما مَرَّ عليه ملأٌ من قومه سَخِروا مِنْهُ﴾ ومن عملِه السفينة، وكَانَ يعملها فيِ البرِّيَّة، وكَانُوا يتضاحكون ويقولون لَهُ: يا نوح، صرت نَجَّارا بعدما كنت نبيًّا؛ (لَعَلَّهُ) ورُويَ أنَّهم يقولون: يانوح ماذا تصنع؟ فيقول: أصنع بيتًا يمشي عَلَى الماء؛ فيضحكون مِنْهُ. ﴿قَالَ: إن تسخروا مِنَّا فَإِنَّا نسخرُ منكم﴾ عند رؤية الهلاك ﴿كما تسخرُونَ (38)﴾ مِنَّا عند رؤية الفلك؛ وقيل المراد بالسخرية: الاستجهال.

﴿فسوف تَعْلَمُونَ من يأتيه عذابٌ يخزيه﴾ يذلُّه، يعني بِهِ إيَّاهم، وَهُوَ الغرق، ﴿ويحلُّ عليه عذاب مقيم (39)﴾ فيِ جهنَّم.

{

(1) - … سورة نوح: 27.

٦٠٠ / ١٬٥٨٨