سورة الإسراء
الجزء ٢ · صفحة ٣٧١وإذ قلنا للمَلاَئِكَة: اسجدوا لآدم، فسجدوا إِلاَّ إبليس قَالَ: أأسجُدُ لمن خَلقتَ طينا (61)؟ قَالَ: أرأيتك هَذَا الذِي كرَّمتَ عليَّ} أي: فضَّلته وكرَّمته عليَّ، (لَعَلَّهُ) لمَّا علم إبليس أنَّ الكرامة الحقيقيَّة هِيَ صِحَّة الاستقامة عَلَى التوحيد، توعَّد عَلَى ذرِّيَّته أن يُنزِلهم عَن رتبة مَا كُرِّموا بِهِ عليه إِلىَ أسفل سافلين، بقوله: ﴿لئن أخَّرتني إِلىَ يوم القيامة لأحتنكنَّ ذرِّيَّته﴾ لأستأصلنَّهم بإغوائهم، (لَعَلَّهُ) ولأستولينَّهم، بمعنى: أتولاَّهم، ﴿إِلاَّ قليلا (62)﴾ وَهُم المخلصون، وإنَّما علم الملعون ذَلِكَ، لأَنَّهُ رآه أنَّه خلقٌ شهوانيٌّ، فجميع أحواله الظاهرة والباطنة، وأفعاله وأقواله شهوانيَّة.
﴿قَالَ: اذهب﴾ أي: امض لشأنك الذِي اخترته، خذلانا وتخلية، ﴿فمن تبعك مِنْهُم فإنَّ جَهَنَّم جزاؤكم جزاءً موفورا (63)، واستفزز﴾ استزلَّ واستخفَّ؛ استفزَّه: أي استخفَّه، [319] والفزُّ: الخفيف، ﴿من استطعت مِنْهُم بصوتك﴾ بالوسوسة والدعاء إِلىَ معصية الله؛ ﴿وأجلِبْ عَلَيْهِم بخيلِك وَرَجْلِك﴾ اجمع وضجَّ بهم، مِنَ الجلبة والحشر، أي: احشر عليهم. قَالَ مقاتل: «استعن عَلَيْهِم بركبان خيلك ومُشاتهم»، والخيل لَهُ خيل [كَذَا]، ورَجْل مِنَ الجنِّ والإنس، وذلك استعارة؛ أي: اقضي (1) مَا يُستطاع فيِ طلب الأمور الخيلَ والرجلَ، وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال، ﴿وشاركهم فيِ الأموال والأولاد﴾ قَالَ الزجَّاج: «كلُّ معصية فيِ مال وولد فإبليس شريكهم». ﴿وعِدْهُم﴾ المواعيدَ الكاذبة، الدينيَّة والدُّنْيَويَّة، ومن ذَلِكَ مَا يَعِدهم بالغفران مَعَ الإصرار، وبقبول الطاعة مَعَ المعاصي، ﴿وَمَا يَعِدُهم الشيطان إِلاَّ غرورا (64)﴾ وَهُوَ تَزيُّن (2) الخطإ بِمَا يوهم أنَّه صواب.
{
(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «اقضِ».
(2) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تزيين».