سورة الإسراء
الجزء ٢ · صفحة ٣٧٣أم أمنتم أن يعيدكم فِيهِ تارة أُخْرَى، فيُرسلَ عليكم} أي: أم أمنتم أن يقوِّي دواعيكم، ويوفِّر حوائجكم، ويهيِّئ أسبابكم، إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذِي نجَّاكم مِنْهُ، فأعرضتم، فينتقم منكم بِأَن يُرسل عليكم ﴿قاصفا مِنَ الريح﴾ وهي الريح التِي لها قصيف، وَهُوَ: الصوت الشديد، أو هُوَ الكاسر للفُلك، ﴿فيغرقَكم بِمَا كفرتم﴾ بكفرانكم النعمة، وَهُوَ إعراضكم حين نجَّاكم، ﴿ثم لاَ تجدوا لكم علينا بِهِ تبيعا (69)﴾ مطالبا، من قوله: ﴿فاتِّباع بالمعروف﴾ (1) أي مطالبة.
﴿وَلَقَد كرَّمنا بني آدم﴾ بالعقل، والنطق، والحظِّ، والصورة الحسنة، والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد، وتسخير المخلوقات. قَالَ الواسطيُّ: «معناه: بِأَن سخَّرنا لَهُمُ الكون وَمَا فِيهِ، لئلاَّ يكونوا فيِ تسخير شيء (2)، ويتفرَّغوا إِلىَ عبادة ربِّهم». ﴿وحملناهم فيِ البَرِّ والبحر، ورزقناهم مِنَ الطَّيِّبَات﴾ باللذيذات، ﴿وفضَّلناهم عَلَى كثير مِمَّن (3) خلقنا تفضيلا (70)﴾ [320]، لأَنَّهُ خلق الكلَّ لَهُم، وخلقهم لنفسه ولعبادته، وأن يوحِّدوه ويطيعوه، فيثيبهم الثواب الأبديَّ.
﴿يوم ندعو كُلَّ أناس بإمامهم﴾ بمن ائتمُّوا بِهِ من نبيٍّ أو مقدَّم فيِ الدين، أو كِتَابٍ أو دين؛ وقيل: بأعمالهم؛ وقيل: بكتابهم الذِي فِيهِ أعمالهم بدليل سياق الآيَة؛ وقيل: بإمام زمانهم، (لَعَلَّهُ) الذِي دعاهم فيِ الدُّنْيَا إِلىَ ضلالة أو هدى. ﴿فمن أوتي كتابه بيمينه، فأولئك يقرءون كتابهم وَلاَ يُظلمون فتيلاً (71)﴾ وَلاَ ينقَصُون من ثوابهم أدنى شيء، ولم يذكر الكفَّار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله:
{
(1) - … سورة البقرة: 178.
(2) - … كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقطا.
(3) - … في الأصل: «مما» وهو خطأ.