الموضوع: عام
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦وإنما هناك أمران يرجح بهما الاستدلال بحديث أبي هريرة على الاستدلال حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما:
الأمر الأول: أن الجنابة حدث أكبر والصوم عبادة بدنية خالصة، والعبادات البدنية يشترط لها الطهارة، منها ما يشترط له الطهارة من الحدثين جميعاً كالصلاة، ومنها ما يشترط له الطهارة من الحدث الأكبر لأجل أن الحدث الأكبر يمكن أن يتفادى أكثر مما يمكن أن يتفادى الحدث الأصغر فلذلك رُخص في تلبس الإنسان بالحدث الأصغر مع كونه في هذه العبادة وهي عبادة الصيام، فإن الإنسان لا بد له من أن يتلبس بحدث أصغر، ولو منع منه لكان ذلك أمراً فيه عسر شديد، والله تبارك وتعالى يحب التيسير لعباده (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر) (البقرة: من الآية185)، فلذلك كان الواجب أن يتفادى الحدث الأكبر، ولذلك لم يصح صيام الحائض لأن الحيض حدث أكبر، والجنابة حدث أكبر كالحيض فتقاس الجنابة على الحيض، فالقياس يعزز رواية أبي هريرة.
الأمر الثاني: أن هذا الحديث حديث موجب للحكم، وهو حديث أبي هريرة، والحديثان الآخران إنما هما مسقطان للحكم، والإسقاط إنما هو يتفق مع براءة الأصل، ووجوب الحكم أمر طارئ على البراءة الأصلية، وعلى هذا فإذا وجد دليل يثبت حكماً ودليل آخر يقتضي عدم وجوب ذلك الحكم أي ما يتفق مع البراءة الأصلية فإنه يؤخذ بالدليل المثبت للحكم لأنه ثبت بالدليل ذلك الحكم ورفعه يحتاج إلى دليل آخر، أما ما دل على ما يتفق مع البراءة الأصلية فإنه مجرد استصحاب للأصل الأول الذي هو قبل أن يطرأ ذلك الحكم.
فبهذا يتبين أن الجنابة إن تمادى الإنسان وأخّر التطهر منها تؤدي إلى بطلان صيامه، وعلى هذا فهذه المرأة إن تمادت ولم تسارع إلى الاغتسال فوراً فعليها أن تعيد صيام يومها، والله تعالى أعلم.
السؤال: