الموضوع: الحج
الجزء ١ · صفحة ٣٨٠بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان خلقاً سويا، وجعل خلقه جامعاً لجوانب شتى نفسية، فهو كائن عاقل، وبسبب هذا العقل كُلّف ما كلف من الواجبات لأنه بدون عقل يكون أشبه ما يكون بالكائنات التي تشاركه البقاء والوجود في هذه الأرض ولا تشاركه العقل والتكليف.
ولكنه بجانب هذا فإن الله سبحانه وتعالى لم يحرمه من العاطفة، هذه العاطفة تجعله يتشوق ويتطلع، وهذا الشوق قد يكون شوقاً إلى خير، وقد يكون شوقاً إلى شر، إلا أن الله تبارك وتعالى جعل فيما شرع في الدين الإسلامي ما يتلاءم مع فطرة هذا الإنسان، فهو يملأ جميع تطلعات الإنسان سواء ما يرجع منها إلى العقل أو ما يرجع منها إلى العاطفة. فالأشواق التي ترجع إلى عاطفته إنما هذه الأشواق يجد الإنسان ما يشفيها من خلال ما شرع الله تعالى وما أمر به.
فلا ريب أن الإنسان وهو يؤمن بالله تبارك وتعالى، ويؤمن برسله المصطفين الأخيار، ويؤمن بدينه الحق الذي شرعه لجميع عباده وأرسل به جميع رسله وهو دين الإسلام، ويؤمن بوحي الله سبحانه وتعالى، لا ريب أن هذا الإنسان مع إيمانه بهذا كله تنطبع في نفسه انطباعات تدعوه إلى أن يرتبط بأماكن في هذه الأرض.
والله سبحانه المعبود وهو منزه عن المكان والزمان لأنه كما قلنا أكثر من مرة قد كان قبل خلق الزمان والمكان وهو على ما عليه كان، لا يُدرك بعين ولا يُطلب بأين، فلذلك كان الإنسان وهو يتوجه إلى ربه سبحانه وتعالى المنزه عن الأمكنة والأزمنة لا بد له من أن يجد ما يملأ فراغ نفسه من حيث إنه يرتبط بأماكن ذات قدسية وذات مكانة ولها تاريخ وتتطلع النفوس إليها وتشتاق القلوب إلى أن تصل إلى جنباتها لتنعم بالخلود فيها.