46سأذ 15 رمضان 1424هـ - 10 نوفمبر 2003م سق طبعت
الجزء ١ · صفحة ١٩س7: سمعنا منكم في دروس سالفة(1)
(1) -مِن ذلك جوابه على السؤال الأول مِن حلقة 8 رجب 1423هـ ( 15 سبتمبر 2002م ) وهذا نصّ السؤال مع جواب الشيخ عليه:
س: ما حكم صلاة المنفرِد خَلفَ الصفّ الأول ؟
ج: إنّ الذي يُصَلِّي منفرِدا خلف الصف لا يَخلو مِن أحد أمرين:
1-إما أن يَجِد الصفوف قد امتلأتْ ولا يَجِد مكانا يَقف فيه في تلك الصفوف التي أمامه.
2-أو أنه لا يَجِد تلك الصفوف مُمتلِئة بل يَجِد فراغا يَتّسِع له:
أما الأمر الثاني فإنه ليس لأحد أن يُنشِئ صَفّا جديدا إذا كان يَجِد-كما قلتُ-مُتَّسَعا في واحد مِن الصفوف الأمامية بل عليه أن يَتقدَّم ويُصلِّي في نفسِ ذلك الصف، وإذا صَلَّى منفرِدا فإنّ صلاته باطلة اللهم إلا إذا نَظَرَ وظَنَّ ظنّا قويا بأنّ ذلك الصف قد امتلأ ثم أنشأ صفا جديدا فإنه سيأتي الكلام عليه في القسم الذي يَلي هذا القسم .. هذا هو القول الذي ذهبت إليه طائفة كبيرة مِن أهل العلم، وهو الذي تُؤيِّده السنّة وتَدلّ عليه دلالةً صريحة، وإذا ثبت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه-أمرٌ أو نهيٌ فإنه لابد لِلمسلم مِن أن يَمْتَثِل ذلك الحديث .. نعم يُعذَر مَن خالَف الحديث لأنه يُمكِن أنه لم يَطَّلِع عليه أو أنه رأى دليلاً يُخالِفه وظَنَّ بِأنه هو الأرْجَح أو أنه اطَّلَع عليه ولكنه لم يَثبتْ معه، أما مَن اطَّلَعَ على الحديث وثبتَ لديه أو ثبتَ عند العلماء وهو لم يَكن في درجتهم فإنه عليه أن يَتَّبِع ذلك الحديث عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-مع الجزْم بِعُذْر أولئك العلماء الذين خالَفوه ولكن-كما قلتُ-لا يَسَعُ الإنسانَ أن يَأخذَ بِشيءٍ يُخالِف السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه .. نعم إذا تَرجَّح لديه شيء مِن الأدلة الأخرى على ذلك الدليل فإنه في هذه الحالة لا يُعَدُّ مخالِفا لِذلك الدليل، لأنه أَخذ بِدليل يَرجح على ذلك الدليل، وكذلك ليس لِجماعة مِن الناس مِن اثنين فصاعدا أن يُنشِؤوا صفّا جديدا إذا كان الصف الأمامي لم يَكتمِل بل عليهم أن يَصفّوا في ذلك الصف حتى يَمتلِئ فإذا امتلأ فإنه في تلك الحالة يُؤمَرون بِأن يُنشِؤوا صفّا جديدا.
أما القسم-الثاني أو-الأول-لأننا ذَكَرْنا هذا القسم بأنه هو الأول-فهو إذا دَخلَ إنسانٌ ووَجَدَ الصفوف مُمتلِئة ولم يَجِد مكانا يَصفّ فيه في تلك الصفوف فإنّ أهل العلم قد اختلفوا في هذه المسألة على عدّة أقوال:
ذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنّ هذا الشخص الذي دَخَلَ المسجد ليس له أن يُنشِئ صفّا جديدا بل عليه أن يَقوم بِجَرِّ شخصٍ مِن الصفّ المتأخِّر ويَصف هو وذلك الشخص خلْف الإمام مباشَرة، واحتجّوا على ذلك بِحديث مروي عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ولكنّ ذلك الحديث لا يَثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه وإن كان قد جاء مِن أكثر مِن طريق لأنّ تلك الطرُق مِن الضعف بِمكان فلا تَصلُح لأن تَصل إلى درجة الحُجية، كما هو مُقَرَّر عند أئمّة العلم.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنّ ذلك الشخص يَصفّ منفرِدا خلْف الإمام، إذ إنه مأمور بِالدخول مع الإمام ومنهي عن أن يَصفّ صفّا منفرِدا فجَمَعُوا بيْن الأحاديث التي فيها النهي عن أن يَصفّ الإنسان وحده وبيْن الأحاديث الآمِرة بِالدخول في صلاة الجماعة .. حَمَلوا الأحاديث الناهية على ما إذا كان في الصفوف متّسَعًا يَتَّسِع لِذلك الشخص أما إذا لم يَتَّسِع ذلك الصفّ لِذلك الشخص فإنّ ذلك النهي لا يُحمَل عليه، ولهم أدلة أخرى.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يَحتَال حتى يَصفّ عن يَمين الإمام .. أي يَتَقدَّم .. يَتَخطَّى تلك الصفوف إن أمكنه بِحيث لا يَضرُّ بِأحدٍ مِن المصلين ويَصفّ عن يَمين الإمام، أما إذا لم يَتمكّن مِن ذلك فإنه يَنتظِر حتى يَدخُل شخصٌ آخر.
فالمسألة خِلافية-كما سمعتُم-ومَن أَخَذَ بِواحدٍ مِن هذه الأقوال فلا شيء عليه-بِمشيئة الله-تبارك وتعالى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: إذا صفّ أحدٌ خلْف الإمام منفرِدا وأمضى صلاتَه على هذه الصورة ثم جاء رجل آخر .. في هذه الحالة الرجل الثاني الذي التحَق مؤخَّرا، ما حكم صلاته ؟
ج: أوّلاً يَنْبَنِي على الخلاف السابق:
فعلى رأي مَن يَقول: " إنه يَصفّ منفرِدا خلْف الإمام وأنّ ذلك جائز له " فإنّ مَن دَخَلَ يَصفّ معه، لأنّ ذلك الأمر الذي فَعَلَه صحيح لا غبار عليه وصلاتُه صحيحة وعلى هذا فإنّ مَن دَخَلَ يَصفّ معه.
وأما على رأي مَن يقول بِخلاف ذلك وهو: " أنه لابد مِن أن يَجُرَّ شخصا مِن الصفّ المتأخِّر ويَصف هو وذلك الشخص خلْف الإمام مباشَرة " فلم يَجُرَّ بل صَفَّ منفرِدا فإنّ صلاتَه-مع هذه الطائفة-باطلة وعليه لا يَصحّ لأحد أن يَصفّ معه اللهم إلا إذا بيَّن له بأنّ ذلك لا يَصح وشَرَعَا في الصلاة مِن جديد .. أي أَلْغَى ما فَعَلَه مِن قبل إذ لا قيمة له وابتدأَ الصلاة مع مَن دَخَل فإنّ صلاتَهما صحيحة.
هذا ومِن الجدير بِالذِّكْر أنّ بعضَ الذين قالوا: " إنه يَصفّ خلْف الإمام منفرِدا " في هذه الحالة قالوا: " إنه يَتقدَّم حتى يَلتصِق بِالصفوف وعندما يُريد أن يَركع أو يَسجد يَتَأخّر فإذا انتهى مِن الركوع والسجود تَقدَّم "، وهذا القول قولٌ ضعيف، لأنه يَقتضي هذه الحركة التي لا دليل عليها، فإذن إما الأخذ بِرأي مَن يَقول: " إنه يَصفّ منفرِدا خلْف الإمام وأنّ ذلك جائز له " أو الأخذ بِرأي مَن يقول بالجَر وهو وإن كان لا يَصح الحديثُ الذي وَرَدَ على مشروعيته-أي مشروعية الجَر-فإنّ الذين قالوا بِذلك تَأَيَّدوا على ذلك بِأنّ هذه الحالة حالة ضرورة والإنسان منهي عن أن يَنفرِد في صَفٍّ دون غيْره فأجازوا له أن يَجُر لأجل هذه الضرورة وإن كان الحديث لا يَصح، فإذا أَخَذَ بِالجَر فهو قول كثيرٍ مِن أهل العلم وله أيضا وجه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: ذكرتُم بِأنه عندما يَجُرّ رَجُلاً يَذهب به مباشَرة خلْف الإمام .. الكثير مِن الناس لا يَصنَعون هذا إنما يَجُرُّونَه في نفس المكان الذي يَخرُج منه ثم يَصفُّون معه، في هذه الحالة ما الحكم ؟
ج: لا .. هذا لا يَصح، فصلاةُ هؤلاء ليستْ بِصحيحة.
س: حتى ولو كان المسجد كبيرا ؟
ج: لا يَلزَم أن يَجُرَّ مِن طرف الصفّ بل يَجُر مِن موضعٍ آخر لكن ليس مِن خلْف الإمام مباشَرة ويَصُفّ معه خلْف الإمام، فلا يَحتاج إلى قَطْعِ مسافةٍ طويلة وبعدَ ذلك الصف يَلتحِم، وهذه المحذورات-وهي الجَرّ والتّأخّر وقطْع مسافة-راعاها مَن قال بِأنّ لِلإنسان أن يُنشِئ صفًّا جديدا خلْف الإمام ما دام ليس هنالك دليل يَدلّ على مشروعية الجَر مع ما يَترتّب عليه مِن مفاسد.
س: معنى ذلك أنه يُنشِئُ صفًّا جديدا خلْف الإمام منفرِدا ؟
ج: هذا رأي طائفة كبيرة مِن أهل العلم.