46«ڑ¨ 15 ©êàںë 1424ى• - 10-11-2003ê «ç
الجزء ١ · صفحة ٣س: ذكرتُم بِأنه عندما يَجُرّ رَجُلاً يَذهب به مباشَرة خلْف الإمام .. الكثير مِن الناس لا يَصنَعون هذا إنما يَجُرُّونَه في نفس المكان الذي يَخرُج منه ثم يَصفُّون معه، في هذه الحالة ما الحكم ؟ حتى ولو كان المسجد كبيرا ؟ ....................................... ص13
س1: ذكرتُم في حلقة ماضية(1)
(1) -عند الجواب على السؤال السادس مِن حلقة 8 رمضان 1424هـ ( 3 نوفمبر 2003م ) وهذا نصّ ذلك السؤال مع جواب الشيخ عليه:
س: الناس معروفٌ أنهم عندما يفيضون مِن عرفات إلى مزدلفة ومِن مزدلفة إلى مِنى .. عندما يَقطعون الطريق مِن مزدلفة إلى مِنى يُسْرِعون في وادي مُحَسِّر لكن لا يَعلمون شيئا عن الإسراع في هذا الوادي عندما يذهبون مِن مِنى إلى عرفات، فهل يَصنعون نفس الفعل ؟
ج: أنا لم أَجِد روايةً عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-تَدُلّ على مشروعية الإسراع أو عدم الإسراع عند الذهاب إلى عرفات في هذا الوادي.
وأما عندما يَرجِع الحاج مِن عرفة وبعد ذلك مِن المزدلفة إلى مِنى فإنّ الإسراعَ في هذا الوادي عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ثابت صحيح لا شك فيه.
وإذا أردنا أن نَعرِف الحكم في المسألة الأولى .. أي في مشروعية الإسراع وعدمه عند الذهاب إلى عرفات فإنه ينبغي لنا أن نَعْرِف الحكمة من إسراع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في هذا الوادي، وقد ذَكَر العلماء في ذلك عدّة أمور:
مِنهم مَن قال: إنما فَعَل ذلك النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لأنّ هذا الوادي مأوى الشياطين فأَسْرَعَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خشيةَ الكَوْنِ في هذا الوادي، ولم أَجِد لهم دليلا على هذا الكلام ولعلهم يَستدِلُّون بِحادِثة نَوْمِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وصحابتِه الكرام في الوادي إلى أن طَلَعَت الشمس ثم أخبرهم النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بأنّ في هذا الوادي شيطانا وأَمَرَهم بِالخروجِ منه والصلاةِ بعدَ ذلك فخرجوا-رضوان الله تعالى عليهم-مع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وصَلّوا فريضةَ الفجر بعدَ طلوع الشمس بعدَ الخروج مِن ذلك الوادي، ولا دليل في هذا، وذلك لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُسْرِع في هذا الوادي بل بَاتَ فيه ونام هو وصحابته، وأيضا عندما أمَرَهُمْ بِالخروج لم يَأمُرهم بِالإسراع ولم يَثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه أَسْرَعَ عند خروجه منه فإذن لا دلالةَ في هذا الدليل الذي استنبطَ منه بعضُ أهل العلم هذا الاستنباط.
وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إنما أَسْرَعَ عند خروجه مِن هذا الوادي لأنّ النصارى كانوا يَقفون فيه، وأنا لم أَجِد روايةً صحيحةً ولا حسنةً بل حتى ولا ضعيفة تُنْسَبُ إلى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-تدُلُّ على ذلك، وإنما رُوي ذلك عن عمر-رضي الله تعالى عنه-أنه عندما مَرَّ بِهذا الوادي ذَكَرَ كلاما مِنه:
........................ … مخالِفًا دِينَ النصارى دِينُها
فقالوا إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَسْرَعَ مِن أجل ذلك، وهذا كلام مردود، وذلك لأنه تَكفي في المخالَفة ألاّ يَقف النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في هذا الموقف وهو لم يَقف في هذا الوادي وإنما وَقَفَ بِعرفة، كما هو معلوم وقد أجمعت عليه الأمّة، وأيضا لم يَثْبُت عن النصارى أنهم كانوا يَقِفُون في هذا المكان ولا أنهم كانوا يَحُجُّون، فهذا لا دليل فيه البتة على ما ذَكَروه.
ومنهم مَن ذَهَبَ إلى أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أسرَعَ في ذلك الوادي مِن أجل مخالفة الكفار لأنهم كانوا يَتفاخرون فيه بآبائهم، وهذا لا دليل فيه، وذلك لأنه لم يَثْبُت-أوَّلا وقبل كل شيء-عن الكفار أنهم كانوا يَتفاخَرون بِآبائهم في هذا الوادي، وإنما كان يَقع مِنهم ذلك في مِنى .. قيل: عند جَمْرة العَقَبَة، وقيل: في مِنى، ولم يَثبت عنهم أنهم كانوا يَتفاخرون في هذا الوادي، ثم إنه لو كان الأمر كذلك-أي لو كانوا يَتفاخرون في هذا الوادي-لَمَا كان في ذلك دليل، لأنه يَكفي في المخالفة ألاّ يَقع مِن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ومِن المسلمين ذلك.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إنما أسرَعَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في هذا الوادي لأنه وَقَعَ فيه العذاب على أصحاب الفيل إذ إنَّ الفيلَ وَقَفَ في هذا الوادي على حسب ما يَدَّعِيه هؤلاء، وليس الأمر كذلك، لأنّ الفيلَ لم يَقف في هذا الوادي وإنما وَقَفَ في وادي المُغَمَّس وذلك بِالقُرب مِن عرفات على طريق الطائف .. هذا هو الثابت عن العَرب في أخبارِهم وفي شِعْرِهِم، ولم تَأتِ روايةٌ واحدة تَدلّ على أنه وقع في هذا الوادي، وذلك-أيضا-مستبعدٌ جدا لأنّ هذا الوادي مِن الحرَم والعقوبةُ نَزَلَت عليهم قبل دخولِهم الحرَم، ولكن ذلك لا يَمنع مِن أنه قد وقعتْ عقوبة مِن المولى-تبارك وتعالى-على بعض الناس في هذا الوادي وإن كنّا لا نَجِد دليلا يُحدِّدُ نوعَ هذه العقوبة، وقد قيل: إنه وقع ذلك على رجل صَادَ صيْدا في هذا الوادي فوَقعتْ عليه نارٌ فأحرقتْه، ويُمكِن-أيضا-أن يَكون بعضُ أصحابِ الفيل قد تَقَدَّمُوا على الفيل وعلى سائر الجيش-على أنني أيضا لا أستطيع الجزم بذلك .. وأظن أنّ ذلك لم يَقع-أما الجمهور الأعظم والفيل فإنهم لم يَصِلُوا إلى هذا المكان، والحاصل أنّ الذي نَظنُّه أنه وَقَعَ في هذا الوادي عذابٌ على بعضِ الناس ولا يَلزَم أن نُعَيِّنَ ذلك، ونَستشهِد على ذلك بِإسراعِ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما مَرَّ بِدار ثَمود، فقد أَسرعَ الرسولُ-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في ذلك المكان.
وإذا كان الأمر كذلك فإننا نقول بِمشروعية الإسراع-عند المرور على هذا الوادي .. أي-في هذا الوادي عند الخروج مِن مِنى إلى عرفات بل حتى إذا مَرّ الإنسان به في أيّ وقت مِن الأوقات ولو لم يَكن ذلك في الحج فيُشْرَعُ فيه الإِسراع.
وعدمُ ذِكْر أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَسرَعَ فيه عندما ذهبَ إلى عرفة لا يُمكن أن يُسْتَدَلَّ به على عدم المشروعية، وذلك لأنه قد لا يُذْكَر بعضُ أفعالِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولا يَلْزَم أن يُذْكَر كل ما وقع مِنَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإنما الذي يُنْقَلُ عنه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ما فيه شَرْعٌ لِلأمّة وقد يكون ذلك بالعبارة وقد يكون بالإشارة، وهاهنا تكفي الإشارة، لأنّ إسراعَه - صلى الله عليه وسلم - عندما رَجَعَ مِن عرفة ومِن المزدلفة إلى مِنى يَكفي لِلإشارة إلى مشروعية هذا الإسراع، ومَن نَظَرَ في حَجّة الوداع فإنه يَجِد في بعض الأحاديث يُذْكَر كذا ولا يُذْكَر كذا وهكذا.
هذا ومِن الجدير بِالذِّكْر أنّ العلماء قد اختلفوا في هذا الوادي هل هو مِن مِنى أو هو مِن المزدلفة ؟ وقد جاءتْ بعضُ الأدلة تَدلّ على هذا، وجاءتْ بعضُ الأدلة تَدلّ على ذاك، وجاءتْ بعضُ الأدلة تَدلّ على أنه ليس مِن مِنى وليس مِن المزدلفة، وأقوى ما جاء حديثٌ عند الإمام مسلم فيه التصريح بِأنه مِن مِنى حيث جاء فيه: " وهو مِن مِنى " ولكنّ هذه الرواية ضعيفةٌ عندي ولو كانت في صحيح مسلم، والذي يَظهر لي بأنه ليس مِن مِنى وليس مِن المزدلفة.
و-على كل حال-سواء كان مِن مِنى أو كان مِن المزدلفة أو لم يَكن مِن هذه ولا مِن تلك فإنه ليس لأحد أن يَبيت فيه في ليلة المزدلفة على رأي مَن يَقول إنه مِن المزدلفة ولا على أن يُقيم فيه ليلة التاسع وليالي التشريق اعتبارا على أنه مِن مِنى على رأي مَن يَقول إنه مِن منى، فعلى كل حال لا يُشرَع المكث فيه والبقاء فيه سواء قلنا إنه مِن هذه أو مِن تلك أو أنه مستقِل.
وهكذا اختلفوا في عُرنَة هل هي مِن عرفة أو ليست مِن عرفة ؟
و-على كل حال-أيضا لا يَجوز الوقوف بها على أنها مِن عرفة سواء قلنا إنها مِن عرفة أو لم نَقُل ذلك.
وتَحقيق ذلك في المسألتين معًا يَحتاج إلى إطالة لا تَتَّسِع لها هذه العجالة وإن كانت هي جديرة بِذلك ولكنّ الحكم هو ما ذكرناه.
هذا ومِن الجدير بِالذِّكْر-أيضا-أنّ وادي مُحَسِّر مِن الحرَم.
خلافا لِمَا ذَهَبَ إليه ابن حزم حيث شَذَّ وزَعَم أنه ليس مِن الحرَم وإنما هو مِن الحِل، وكذلك شذَّ حيث زَعَم أنّ عُرنة ليست مِن الحِل وأنها مِن الحرَم.
فالحقّ الحقيقُ بِالقبول أنّ هذا الوادي مِن الحرَم وعُرنة مِن الحِل.
وكذلك قد أخطأ خطأً بيِّنا مَن زَعَم أنّ عرفة ليست مِن الحِل وأنها مِن الحرَم، والحقّ أنها مِن الحِل، وعليه فيَجوز الصيد مِن عرفة ومِن عُرنة-وكذلك بِالنسبة إلى قطْع الأشجار فإنّ ذلك لا مانع منه-وإنما يُمنَع مِن ذلك المُحْرِم فليْس له أن يَصطاد، وأما الشجر فلا مانع مِن ذلك في الحِل سواء كان معتمِرا أو كان حاجّا، فإذن عَرفة مِن الحِل، وإنما يُمنَع المُحْرِم مِن الصيد لأجل أنّ المُحْرِم يُمنَع مِن ذلك ولو كان في الحِل، كما هو معروف .. هذا ما يَظهر لي في هذه المسألة.
هذا وكثير مِن الناس يَسألون عمّن لم يَستطِع أن يَقطَع وادي مُحَسِّر قبل طلوع الشمس لِوجود زحمة أو ما شابه ذلك، هل عليه دم ؟ والجواب: أنّ كثيرا مِن أهل العلم قالوا: يَجِب على مَن لم يَستطِع أن يَقطَع وادي مُحَسِّر الدم، والحقّ أنه لا يَجِب عليه بل لا أَستطِيع أن أُوجِب عليه الدم وإن كان قد تَأخَّر بِغيْر عذر وإنما أقول إنه لا يَنبغي لأحد أن يَتأخَّر، وذلك لأنه لم يَرِد دليل يَدلّ على أنّ مَن لم يَخرُج منه قبل طلوع الشمس أَنه يَجِب عليه دم، والأصل في أموال المسلمين بِأنها معصومة بِعصمة الإسلام لها وأنه لا يَجوز لأحدٍ أن يُوجِب شيئا على أحدٍ بِغيْر دليل، ولِذلك يَنبغي التريّث في هذه الأمور .. نعم هذه المسألة فيها خلاف مشهور-كما ذكرتُ-ولكننا نَجِد كثيرا مِن الناس يُوجِبون الدماء على عباد الله ولو لم يَقل به أحد مِن أهل العلم، كما اشتهر عند الكثير: " في الدم دم " .. إذا خرج مِن إنسان دم أوجبوا عليه دما، وكذلك في كثير مِن الأمور يَجِب التخيير بيْن الدم وبيْن الإطعام وبيْن الصيام ولكنّ كثيرا مِن الناس لا يُخيِّرون عبادَ الله وإنما يُوجِبون عليهم الدماء .. هذا إنسان فعل كذا ؟ عليكَ دم .. إنسان تَعطّر مثلا ؟ عليكَ دم .. إنسان قَلَّم شيئا مِن أظافره ؟ عليك دم .. يَنبغي أن يُقال لِعباد الله - سبحانه وتعالى - بِالتخيير كما خيّرَهم الله تبارك وتعالى، وألاّ نُلزِم عباد الله-تبارك وتعالى-بِما لم يُلزِمهم به المولى تبارك وتعالى، على أنه يَنبغي أن نَبحث هل فَعَلَ هذا وهو مخطئ أو هو جاهل أو هو متعمِّد ويَعرِف الحكم، وهذه المسألة-طبعا-تَحتاج إلى كلام، وذلك في أجوبة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى، وإنما أردتُ أن أُنبِّه الناس أنه لا يَنبغي أن نُلزِم العباد بِما لم يَلزَمهم، و-أيضا-إذا كان هنالك تَخيير في بعض الأمور يَنبغي أن نُخَيِّر الناس وألاّ نُوجِب عليهم أمرا واحدا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.