وما بال النون في كل ما دخلت فيه يجوز حذفها واستعمالها
الجزء ١ · صفحة ١٢٦اعلم أنك إذا أقسمت على فعل لم يقع لزمته اللام ولزم اللام النون، ولم يجز إلا ذلك.و ذلك قولك: والله لأقومن، وبالله لأضربن، ووالله لتنطلقن.
فإن قال قائل: فما بال هذا لا يكون كقولك في الأمر والنهي إذا قال: اضربن زيداً، ولا تشتمن عمراً. وإن شئت قلت: اضرب زيداً، ولا تشتم عمراً. وكذلك: هل تنطلقن؟ وإن شئت قلت: هل تنطلق؟ فإنما ذلك لأن القسم لا يقع إلا على ما لم يقع من الأفعال، فكرهوا أن يلتبس بما يقع في الحال.
فأما الأمر والنهي فيفصل بينه وبينهما باللام؛ لأن اللام لا تكون في الأمر والنهي. وكذلك لا تكون في الاستفهام.
وإنما تفصل بالنون بين القسم وبين هذه الأخبار التي قد تقع في الحال؛ نحو قولك: إن زيداً لمنطلق، لأن حد هذا أن يكون في حال انطلاق. وكذلك إن زيداً ليأكل. فإذا قلت: والله ليأكلن، علم أن الفعل لم يقع.
فإن قلت: قد جاء: " إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم " أي لحاكم.
قيل: قد يكون هذا، ولكن ليس فيه دليلٌ على ما يقع في الحال أو يقع بعد، على أن أكثر الاستعمال أن يكون للحال. فإذا دخلت النون علم أن الفعل لا يكون في الحال البتة. فلذلك لزمت اللام؛ لأنك قد تذكر الأفعال، ولا تذكر المقسم به فتقول: لأنطلقن، فيعلم أن هذا على تقدير اليمين وأنه ليس للحال. فلهذا أجري ما ذكرت لك.
فأما اللام فهي وصلة للقسم؛ لأن للقسم أدواتٍ تصله بالمقسم به، ولا يتصل إلا ببعضها. فمن ذلك: اللام، تقول: والله لأقومن، والله لزيد أفضل من عمرو. ولولا اللام لم تتصل.
و كذلك إن. تقول: والله إن زيداً لمنطلق. وإن شئت قلت: والله إن زيداً منطلق.
و كذلك لا في النفي، وما. تقول: والله لا أضربك، والله ما أكرمك، ولا تحتاج إلى النون لأن ما يدل على الحال؛ كما تدل إن إذا قلت: والله إني لأكرمك.
أمرٌ قد وقع، ولا يقال هذا إلا على شيءٍ متقدم، فالأمر فيهما واحد، إلا أن هذا على الحذف والتعجب، والذي ب قد على استقصاء الكلام. فعلى هذا فأجرهما.
و اعلم أن من العرب من يقول: الله لأفعلن، يريد الواو، فيحذفها. وليس هذا بجيد في القياس، ولا معروف في اللغة، ولا جائزٍ عند كثير من النحويين. وإنما ذكرناه لأنه شيءٌ قد قيل، وليس بجائزٍ عندي؛ لأن حرف الجر لا يحذف ويعمل إلا بعوض لما تقدم من الشرح.
و اعلم أن القسم لا يقع إلا على مقسم به،و مقسم عليه، وأن قوله عز وجل: " و الليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. وما خلق الذكر والأنثى " . أن الواو الأولى واو قسم، وما بعدها من الواوات للعطف لا للقسم. ولو كانت للقسم لكان بعض هذا الكلام منقطعاً من بعض، و تدل لا على ما لم يقع؛ كما تدل النون عليه إذا قلت: والله لأفعلن، ثم نفيت، فقلت: والله لا أفعل. فهذا مبين بأنفس الحروف مستغنٍ فيه عن غيرها؛ لأن النون إنما دخلت لتفصل بين معنيين، فإذا كان الفصل بغيرها لم تحتج إليها.
و اعلم أن قولك: أقسمت لأفعلن وأقسمت لا تفعل بمنزلة قولك: قلت: والله لا تفعل، وقلت: والله لتفعلن.
و اعلم أنك إذا أقسمت على فعل ماضٍ، فأدخلت عليه اللام لم تجمع بين اللام والنون؛ لأن الفعل الماضي مبني على الفتح غير متغيرة لامه، وإنما تدخل النون على ما لم يقع كما ذكرت. فلما كانت لا تقع لما يكون في الحال كانت من الماضي أبعد. وذلك قولك: والله لرأيت زيداً يضرب عمراً، فأنكرت ذلك.
و إن وصلت اللام ب قد فجيد بالغ. تقول: والله لقد رأيت زيداً، والله لقد انطلق في حاجتك. وسنفسر الفصل بين الفعل ب قد وبين الفعل إذا لم تدخله.
أما قد فأصلها أن تكون مخاطبة لقوم يتوقعون الخبر. فإذا قلت: قد جاء زيد لم تضع هذا الكلام ابتداء على غير أمرٍ كان بينك وبينه، أو أمرٍ تعلم أنه لا يتوقعه. فإن أدخلت اللام على قد فإنما تدخلها على هذا الوجه.
فأما قولك: والله لكذب زيد كذباً ما أحسب الله يغفره له فإنما تقديره: لقد؛ لأنه الأول إلى آخر القسم على غير محلوف عليه، فكان التقدير: " و الليل إذا يغشى " ، ثم ترك هذا، وابتدأ " و النهار إذا تجلى " . ولكنه بمنزلة قولك: والله ثم الله لأفعلن، وإنما مثلت لك بثم؛ لأنها ليست من حروف القسم.