المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

تصغير الترخيم

الجزء ١ · صفحة ١١٧

فإذا صغرت هذه الأسماء خولف بها جهة التصغير، فتركت أوائلها على حالها، وألحقت ياء التصغير لأنها علامة، فلا يعرى لمصغر منها. ولو عري منها لم يكن على التصغير دليل. وألحقت ألفٌ في آخرها تدل على ما كانت تدل عليه الضمة في غير المبهمة؛ ألا ترى أن كل اسم تصغره من غير المبهمة تضم أوله؛ نحو: فليس، ودريهم، ودنينير؟ و ذلك قولك في تصغير ذا: ذيا، فإن ألحقت التنبيه قلت: هاذيا. وفي تصغير ذاك: ذياك، فإن ألحقت التنبيه فقلت: هاذاك قلت: هاذياك.

فإن قال قائل: ما بال ياء التصغير لحقت ثانيةً، وإنما حقها أن تلحق ثالثةً؟ قيل: إنما لحقت ثالثةً، ولكنك حذفت ياء لاجتماع الياءات، فصارت ياء التصغير ثانيةً.

و كان الأصل: ذييا إذا قلت ذا، فالألف بدل من ياء، ولا يكون اسم على حرفين في الأصل فقد ذهبت ياء أخرى.

فإن حقرت ذه أو ذي قلت: تيا. وإنما منعك أن تقول: ذيا كراهة التباس المذكر بالمؤنث، فقلت: تيا؛ لأنك تقول: تا في معنى ذه، وتي. كما تقول: ذي. فصغرت تا لئلا يقع لبسٌ، فاستغنيت به عن تصغير ذه أو ذي على لفظها. قال الشاعر:

و حبرتماني أنما الموت بالقرى … فكيف وهاتا هضبةٌ وقليب

و يروى: روضة وكثيب، أي وهذه. وقال عمران بن حطان:

و ليس لعيشنا هذا مهاهٌ … و ليست دارنا هاتا بدار

فإن حقرت ذاك قلت: ذياك. فإن حقرت ذلك قلت: ذيالك.

و إن حقرت أولئك قلت: أوليائك.

و إن حقرت أولى المقصور قلت: أوليا يا فتى.

و إن حقرت هؤلاء الممدود قلت: هاؤليائك.

و إن حقرت هؤلاء المقصور قلت: هاؤليا يا فتى.

و إنما زدت الألف قبل آخرها لئلا يتحول الممدود عن لفظه فقلبوا لذلك. وكان حقيقتها هؤلييا؛ لأن ألاء في وزن غراب. وتحقير غراب غرنب. وتحقير أولى لو كان غير مبهم أوليٌّ فاعلم. فإن زدت الألف أولياء.

و تقول في تحقير الذي: اللذيا، وفي تحقير التي: التيا. قال الشاعر:

بعد اللتيا واللتيا والتي … إذا علتها أنفسٌ تردت

و لو حقرت اللاتي لقلت في قول سيبويه: اللتيات. تصغر التي، وتجمعها؛ كما تفعل بالجمع من غير المبهم الذي يحقر واحده.

و كان الأخفش يقول: اللويا؛ لأنه ليس جمع التي على لفظها، فإنما هو اسم للجمع؛ كقولك: قوم ونفرٌ، وهذا هو القياس.

و اعلم أنك إذا ثنيت أو جمعت شيئاً من هذه الأسماء لم تلحقه ألفاً في آخره؛ من أجل الزيادة التي لحقته، وذلك قولك في تصغير اللذان: اللذيان، وفي الذين: اللذيين. ومن قال: اللذون قال: اللذيون.

و كان الأخفش يقول: اللذيين. يذهب إلى أن الزيادة كانت في الواحد، ثم ذهبت لما جاءت ياء الجمع لالتقاء الساكنين، فيجعله بمنزلة مصطفين. وليس هذا القول بمرضي؛ لأن زيادة التثنية والجمع ملحقة.

و اعلم أن من وما، وأيا لا يحقرن؛ كما لا تحقر الحروف التي دخلن عليها. وكذلك كم، وكيف، وأين لا يحقرن لما ذكرت لك، وكذلك متى، وهن كلهن أسماء.

و كلٌّ لا يحقر؛ لأنه عموم فليس للتحقير فيه معنى؛ لأن كلاًّ إنما أكثر به. وكذلك كلا. وكل ما كان من هذا النحو مما لم نذكره فهذه سبيله، فأجره على هذا الباب.

هذا باب

أسماء الجمع التي ليس لها واحد من لفظها

اعلم أن مجراها في التحقير مجرى الواحد؛ لأنها وضعت أسماء، كل اسم منها لجماعة، كما أنك إذا قلت: جماعة فإنما هو اسم مفرد وإن كان المسمى به جمعاً.

و كذلك لو سميت رجلاً بمسلمين لكان اسماً مجموعاً وإن وقع على واحد. كما قالوا: كلاب بن ربيعة، والضباب بن كلاب، وكذلك أنمار، وكذلك يحابر: إنما هو جمع اليحبور وهو طائر.

و تلك الأسماء: نفر، وقوم، ورهط، وبشر. تقول: بشير، وقويم، ورهيط.

فإن كان اسماً لجمع غير الآدميين لم يكن إلا مؤنثاً؛ وقد مضت العلة في ذلك. وذلك قولك: غنم، وإبل. تقول: غنيمة، وأبيلة، وكذلك نسوة، تقول: نسية؛ لأن نسوة من امرأة بمنزلة نفر من رجل. فعلى هذا فأجر هذا الباب.

هذا باب

التصغير الذي يسميه النحويون

تصغير الترخيم

١١٧ / ٢٨٤