المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

الأسماء المأخوذة من الأفعال

الجزء ١ · صفحة ٢٢

فإن بنيت منه مصدرا قلت: إقامة، وإرادة، وإبانة، وكان الأصل إقوامة، وإبيانة، ولكنك فعلت بالمصدر ما فعلت بالفعل، فطرحت حركة الواو أو الياء على ما قبلها. فصارت ألفاً ؛ لأنها كانت مفتوحة، وإلى جانبها ألف الإفعال. فحذفت إحدى الألفين لالتقاء الساكنين .

فأما سيبويه والخليل فيقولان: المحذوفة الزائدة. وأما الأخفش فيقول: المحذوفة عين الفعل، على قياس ما قال في مبيع. كلا الفريقين جارٍ على أصله .

والهاء لازمة لهذا المصدر عوضا من حذف ما حذف منه: لأن المصدر على أَفْعلت إِفْعالا ؛ نحو قولك: أكرمت إكراما، وأحسنت إحسانا. فكان الأصل أقومت إقواما فلما لزمه الحذف دخلت الهاء عوضا مما حذف ؛ إذن كلت الهاء لا تمتنع منها المصادر، إذا أردت المرة الواحدة. ويكون فيها على غير هذا المعنى والعوض ؛ كقولهم: بطريق، وبطاريق، وزنديق وزناديق، فإن حذفت الياء دخلت الهاء فقلت: بطارقة وزنادقة ؛ لأن الجمع مؤنث، فأدخلت الهاء ؛ لأنها تدخل فيما هو موضع لها ؛ ألا ترك تقول: صيقل وصياقلة، وحمار وأحمرة.

وكل ما لزمه حذفٌ من هذا الباب بغير هذه الزائدة فحاله في العوض كحال ما لحقته الزيادة التي ذكرناها.

وذلك قولهم: استقام استقامة، واستطاع استطاعة ؛ لأنه كان في الأصل استطوع استطواعا ؛ كما تقول: استخرج استخراجا. فلما حذفت لالتقاء الساكنين عوّضت.

فأما قولك: انقاد انقيادا، واختار اختيارا، فإنه على تمامه ؛ لأن الياء المنكسر ما قبلها منفتحةٌ في هذه المصادر، فإنما هن بمنزلة الياء في النصب في أواخر الأسماء، والأفعال إذا كان ما قبلها مكسورا ؛ نحو قولك: رأيت قاضيا يا فتى، ويريد أن يقضى فاعلم، ولكنها تتقلب في الانقياد، ونحوه من الواو، فيكون هذا اعتلالها.

وذلك أن قولك: قياد من انقياد مثل قيام الذي هو مصدر قمت، فانقلب على جهة واحدة.

وفي هذه الجملة ما يدل على ما يرد عليك من هذا الباب إن شاء الله.

فإن بنيت شيئا من هذه الأفعال بناء ما لم يسم فاعُله فإنك تجريها مجرى الثلاثة في القلب، وتسلم صدرها ؛ لأنها في إلحاق الزوائد كالصحيح من الأفعال وذلك قولك فيما كان من أَفْعَل: قد أقيم عبد الله. فتلقى حركة الواو على ما قبلها: لأنها كانت قبل: أقوم عبد الله ؛ مثل أخرج، فحولت الحركة على القاف فانكسرت القاف وسكنت الواو فانقلبت ياءً، لسكونها وكسرة ما قبلها. والأصل في هذا ما ذكرت لك في باب أَفعل.

فإن قلت: قد اختير، وانقيد ضممت ألف الوصل ؛ لأن حق هذا الكلام أن يكون افتعل، وانفعل، ولكنّك طرحت حركة العين على ما قبلها كما فعلت في قيل، وبيع، لأن تير من اختير، و قيد من انقيد بمنزلة قيل، وبيع. وقد مضى القول في هذا.

وكذلك اسُتْفُعْلِ ؛ نحو استطيع.

ومن كان قوله: قد بوع، وقُول فعل ههنا كما فَعَلَ ثم.

ومن رأى الإشمام أشمّ ههنا، فالمجرى واحد.

هذا باب

الأسماء المأخوذة من الأفعال

اعلم أن كل اسم كان على مثال الفعل، وزيادته ليست من زوائد الأفعال، فإنه منقلب حرف اللين كما كان ذلك في الأفعال، إذ كان على وزنها وكانت زيادته في موضع زيادتها.

والنحويّون البصريّون يرون هذا جاريا في كل ما كان على هذا الوزن الذي أصفه لك.

ولست أراه كذلك، إلا أن تكون هذه الأسماء مصادر فتجري على أَفْعالها.

أو تكون أسماءً لأزمنة الفعل، أو لأمكنته الدالة على الفِعْل.

فأما ما صيغ منها اسما لغير ذلك فليس يلازمه الاعتدال ؛ لبعده من الفِعْل. وسنأتي على شرح ذلك إن شاء الله.

تقول في مَفْعَل - إذا أردت به مذهب الفعل من القول والبيع وما كان مثل واحد منهما - : مقال ومباع، لأنه في وزن أقال، وأباع. فالميم في أوّله كالهمزة في أوّل الفعل، فلم تخف التباسا، لأن الميم لا تكون من زوائد الأفعال.

فإن بنيت منه شيئا على مُفْعَل قلت: مقال، ومراد ؛ كما كنت تقول: يقال، ويراد.

فإن صغت اسما لا تريد به مكانا من الفعل، ولا زمانا للفعل، ولا مصدرا قلت في مَفْعَل من القول: هذا مقول، ومن البيع: مبيع ؛ كما قالوا في الأسماء: مزيد. وقالوا: إن الفكاهة مقودةٌ إلى الأذى.

وعلى هذا قالوا: مريم، ولو كان مصدرا لقلت: مراما، وهذا مرامك إذا أردت الموضع الذي تروم فيه، وكذلك الزمان.

٢٢ / ٢٨٤