المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

ما اعتلت عينه مما لامه همزة

الجزء ١ · صفحة ٢٤

والأفعال في أَفْعَل وما أشبهها تقلب، وتلقى الحركة على ما قبلها، ولا يكون ذلك في الأسماء لأن أَفْعل وما أشبهه مما يسكن فاؤه إنما يبني على فَعَل، فيعتل بعلته والأسماء مصوغة على غير تصرف، فإنما يلزمها صحة الياء والواو.

وإذا سكنا فإن كان شيء من هذا على فَعْل صحت واوه وياءه، لسكونهما، وقد تقدّم القول في هذا وذلك ؛ نحو: قَوْل، وبَيْع.

ونذكر سائر الأمثلة التي على ثلاثة أحرف إن شاء الله.

وكذلك ما بنى على مثال لا يكون عليه الفعل ؛ نحو فُعَل. فإنك تقول فيها من القول: قُوَل ومن البيع: بُيَع، كما قلت: صُوَر، ونُوَم، ونحو ذلك. وما كان على فِعَل ؛ نحو بيعَ، وحِوَل.

وكذلك لو بنيت من واحد منهما مثل إِبِل لقلت من القول: قِوِل، ولم تقلب، لأّنّها متحرّكة ؛ ومن البيع، بِيِع.

فإن بنيت منهما مثل فُعُل فإنّ الياء تسلم فيه، نحو قولك: رجل صَيُود، وقوم صُيُد، ودجاجة بَيُوض، ودجاج بُيُض.

ومن أسكن فقال في رُسُل: رُسْل لما نذكره بعد هذا الباب. قال في صُيُد: صِيدٌ، وفي بُيُض: بيضٌ ؛ لأنه فُعْل فيلزم فيه ما يلزم في جمع أبيض.

ومن بناه من الواو فإنه يختار الإسكان ؛ كما قال في رُسُل: رُسْل، وفي عَضُد: عَضْد ؛ كراهة الضمة في الواو على ما تقدم به قولنا، فيقول في فُعُل من القول: قُول ؛ كما تقول في جمع خِوان: خُوْن، والأصل قُوُل، وخُوُن.

فإن جئت به على الأصل فأردت أن تبدل من الواو همزة كان ذلك جائزا لانضمامها.

وقلما يبلغ به الأصل، وهو جائز، ولكنه مجتنب، لثقله، ولأن الصحيح فيه يجوز فيه إسكان المضموم والمكسور في مثل هذا الباب. فممّا جاء على الأصل قول العجّاج:

وفي الأكفّ اللامعات سورّ

وقال الآخر:

أغرّ الثنايا أحمّ اللثا … ت تمنحه سوك الإسحل

وأما ما كان من هذا على فَعِلٍ أو فَعُلٍ فإنه يعتل، فتنقلب واوه وياؤه ألفا، كما اعتلّ خافٌ، وطالٌ ؛ لأن المعتلّين في موضع حركة وقبل كل واحد منهما فتحة.

فأما القَوَد والصَيَد والخَوَنَةُ، والحَرَكة، وما كان نحو ذلك من باب فُعِلٍ ؛ نحو رجل حَوِل، وعَوِر، فإن هذا يفسّر في باب ما يبلغ به الأصل إن شاء الله.

وأما العَوَرَ، والحَوَلَ، والصَّيَد مصدر الأصْيد فإنما صحت لصحة افعالها، ليكون بينها وبين ما اعتلّ فعله فصل، وكما قلنا: إن هذه الأفعال من عوِر وحوِل إنّما هي منقولة من اعْوَرّ واحْوَلّ، نقول إنّ مصادرها منقولةٌ من مصادره.

هذا باب

ما اعتلت عينه مما لامه همزة

وذلك نحو قولك: جاء يجيء، وساء يسوء، وشاء يشاء.

فما كان من هذا على فَعِلَ فهو بمنزلة خاف يخاف.

وما كان منه على فَعَلَ يَفْعِل فه بمنزلة باع يبيع ؛ وذلك لأن الهمزة ليست من حروف العلة فالواو والياء قبلها بمنزلتهما قبل سائر الحروف، ولكنا أفردنا هذا الباب لنبيّن ما يلحق الهمزة من القلب في فاعِلٍ ونحوه، وما يدعى فيه من التقديم والتأخير، ونبيّن اختلاف النحويين في ذلك إن شاء الله.

اعلم أنك إذا بنيت من شيءٍ من هذه الأفعال اسما على فاعِل اعتلّ موضع العين منه، فهمز على ما وصفت لك في قائل، وبائع. فإذا همزت العين التقت هي واللام التي هي همزةٌ فلزم الهمزة التي هي لام القلب إلى الياء، لكسرة ما قبلها، لأنه لا يلتقي همزتان في كلمة إلا لزم الآخرة منهم البدل والإخراج من باب الهمز. فنقول: جاء كما ترى، وكان الأصل جائيٌ فقلب، لما ذكرت لك، وكذلك شاءٍ، وساءٍ.

فهذا قول النحويين أجمعين إلا الخليل بن أحمد، فإنه كان يقول: قد رأيتهم يفرون إلى القلب فيما كانت فيه همزة واحدة، استثقالا لها، فيقدمون لام الفعل، ويؤخرون الهلزة التي هي عين فيما لا يهمز فيه غيرها، ليصير العين طرفا فيكون ياءً، وذلك قوله:

لاث به الأشاء والعبرى

وقال:

فتعرفوني أنني أنا ذاكمو … شاكٍ سلاحي في الحوادث معلم

يريد شائك أي ذو شوكة.

قال: فلما التقت همزتان كان القلب لازما، فأقول: جائيٌ فاعلم، وشائيٌ يا فتى، فالهمزة التي تلي الألف إنما هي لام الفعل التي لم تزل همزة، والمتأخرة إنما هي عين الفعل التي كانت تهمز للاعتلال إذا كانت إلى جانب ألف، ويمضى على هذا القياس في كل ما كان مثل هذا في واحد أو جمع.

وكلا القولين حسن جميل.

هذا باب

٢٤ / ٢٨٤