مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الافتتاحية

الجزء ١ · صفحة ٢

امتدَّ عُمُرها في مسارِ الحياة الخالدة، بعد أن ضَمِنَ لها الاستمرار حين ربطها بِوَاهِبِ الحياة، وصانها بدستور الحياة، وركَّز في القلوب أنَّ الحياة التي نَنشُدُ، ونُرَبِّي عليها الجيلَ، ونَدعُو إليها الناس، هي التي دعانا إليها ربُّ الناس في مُحكَمِ التنزيل: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 24).

تلك هي الحياةُ التي نُريد ونقصِد، ومَن رامَها لم تَفُتهُ متعةٌ ولا منفَعة، ولم تُدرِكهُ خسارة ولا نَدَامَة، مِصدَاقًا لوعد الله الحقِّ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمُ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:97).

وعالمنا اليوم في سرعة جنونيَّة بحثًا عن هذه الحياة، وقد أعياه السعيُ اللاهثُ وراءَ السرابِ، ولم يجنِ من ذلك غيرَ العناءِ والعذاب. وكم كان الشيخ عدُّون يردِّد على مسامعنا ـ ونحنُ بين أحضانه براعم لم نفقه بعدُ مغزى كلامه ـ أن نهتمَّ بحياة الروح، وغذاء الروح، ودواء الروح، ففي ذلك سرُّ السعادة الحقيقية، لا في المُتَع المادية. وقد يدفع نزقُ الشباب إلى الاستخفاف بتلك الدُّرر، ولكنَّه الجهلُ يجني على المرءِ من حيث لا يدري، ثم يُفيق بعد لأيٍ؛ فإن حالفه الحظُّ استدرك ما فات، وقد يفوتُ الأوان فلا يجد مناصًا إلاَّ العض على بنان الندم، ولات ساعة مندم.

أجل كم كان رحِمَه الله يقول لنا: نحن لا ندعوكم للزهد في الدنيا، ولكن خُذُوا منها ما يُبلغُكم حاجاتِكُم، واجعلُوا نَصبَ أعينكم العمل لله وللآخرة، وهدايةِ الناس إلى طريق الخير والصلاح، كُونوا عناصر طيِّبة صالحة مُصلحة أينما حَلَلتُم وارتَحلتُم، فإنَّكم القدوةُ وإليكم المَفْزَع، وأنتم مِلحُ البلد، بكم يَصلُح إن صَلَحتُم، وإن كانت الأخرى، فتلك الطامَّةُ الكبرى، والمصيبةُ القاضية.

وتمضي السنون وتُطَوِّحُ بالمرء المسافات، ليتحقَّق من صدق هذه الكلمات، ويرى شقَاءَ الأمم في انحراف قادتها في الفكر والرأي، وشراءِ علمائِها سَقْطَ المتاع بثَمِين القِيَم، ومتاجرةِ الزَّعمَاء بثوابت الأمَّة، فكان الضياعُ وكان الشقاء، وكان توالي الهزائم في كلِّ صعيد.

وإذا ذُكر الشيخ عدُّون في معرض امتداد أثره، فقد كان هو أيضًا امتدادًا لأثر من سبقه من رجال الأمَّة المخلصين، ممَّن نذروا لله حياتهم؛ فزرعوا بذرة الإصلاح في ربوع الوطن، وسقَوْهَا بمداد العلم ودماءِ الشهادة، فنَعِمْنَا بعدهم بهذا الخير العميم.

أجل، كان الشيخ عدُّون وزيرَ صدقٍ للشيخ إبراهيم بيُّوض رائدِ الإصلاح في ميزاب وجنوب الجزائر، ونُسخةً طبق الأصل لروحِهِ وتضحيته في سبيل إحياء الأمَّة وبذل النفس والنفيس لتنويرها وصونها من مفاتن الحياة الفانية، وتطعيمها بقِيَم الحياة الباقية. ومات الشيخ بيُّوض قبل ربع قرن من الزمن، وتلقَّف رايتَهُ الشيخ عدُّون، وظلَّ وفيًّا لهذه القيم، مستميتًا في سبيل تلك المبادئ، حتَّى لقِيَ اللهَ على العهد والوفاء، ومَضَى قريرَ العين إلى دار البقاء.

مع شهر رمضان المبارك يُطِلُّ علينا هلالُ الدورية بَهِيَّ الطلعة، مُبَشِّرًا بوفاء الأبناء بعهد الآباء، وأنَّ

٢ / ١٩٧