المصاحف العثمانية والأحرف السبعة
الجزء ١ · صفحة ١١عثمان حين بلغه اختلاف الناس في القراءة وتكفير بعضهم بعضًا … قام في الناس خطيبًا فقال: «أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون! فَمَن نأى عنِّي من أهل الأمصار أشدُّ لحنًا. اجتمِعُوا يا أصحاب محمَّد واكتبوا للناس إمامًا … فلمَّا فرغ من المصحف كتب عثمان إلى أهل الأمصار: إنِّي قد صنعتُ كذا وكذا ومحوتُ ما عندي فامحوا ما عندكم» (17).
فلا عجب أن يأمر كلَّ من كان كتب شيئًا أن يمحوه ويتأسَّى بالمصحف الإمام، لأنَّ الثقة فيما كُتب عن ملإٍ من الصحابة على اجتماع آكد، وبهذا المصحف ينحسم النزاع لا بسواه.
وقد نال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ومن معه من الصحابة الكرام شرف جمع الناس على المصحف الإمام، وفعله هذا أيضًا مظهرٌ من مظاهر حفظ الله لكتابه العزيز كما وعد، وبهذا أيضًا حفظه من أن يُنسب إلى أحدٍ، فيُقال: مصحفُ فلان أو فلان، فضلاً عن أن يُقال قرآن فلان أو فلان، كما قالت النصارى إنجيل متَّى وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنَّا …
وغرضي ممَّا كتبتُ إبعاد تهمةٍ قد تُلصق بعثمان رضي الله عنه عن سوء فهم، وسدٌّ لثلمةٍ في وجه أعداء الإسلام الذين لا يفتأون يشوِّشون على أبناء دين الإسلام.
وقد نتساءل عن مصير المصاحف العثمانية؟
إنَّه ليس في معرفة ذلك كثير فائدة، وربَّما وجدنا خبرًا عن بعضها في طيِّ كتابٍ في فترة ماضية، ولا نعلم مصيره بعد ذلك، ومن هذا ما ذكره الإمام ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة من بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم في كتاب «فضائل القرآن»
قال: «وأمَّا المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي بالشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديمًا بمدينة طبرية ثم نُقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلاً عظيمًا ضخمًا، بخطٍّ حسن مُبين قوي، بحبرٍ مُحكم في رقٍّ أظنُّه من جلود الإبل، والله أعلم، زاده الله تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا» (18).
يُقال يُشاع أن دولة روسيا احتفظت بمصحف عثمان الذي قُتل وهو يتلو القرآن منه فتلطَّخ بدمه، وحدَّثني من ذهب إلى طشقند ــــ حيث زَعَمَت أنَّه فيها ــــ ولكنَّه لمَّا عاد صرَّح بشكِّه من صحَّة الدعوى.
وسوف تفنى الصدور التي حفظت القرآن صدرًا بعد صدر، وستبلى المصاحف التي خُطَّت عبر العصور مُصحفًا بعد مُصحف، ويبقى كلام الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ما بقي المسلمون يحفظون كتاب الله جيلاً بعد جيل، ويكتبونه ويتناقلونه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويبقى وجه ربِّك ذو الجلال والإكرام.
هذا ما منَّ الله به عليَّ، وفتح لي في هذه القضيَّة الشائكة، فما كان صوابًا منه فبفضل الله ورحمته، وما كان غير ذلك فأرجو من الله مغفرته ..
﴿إِنُ ارِيدُ إِلاَّ الاِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود/88).