مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

المصاحف العثمانية والأحرف السبعة

الجزء ١ · صفحة ١٠

الأحرف السبعة من غير حذف بعض كلمات القرآن لأنَّهما في نظري متلازمان تلازم الصفة بالموصوف.

12 - إذا كان عثمان رضي الله عنه أمر بتحريق ما عدا المصاحف العثمانية فليس في مقدوره أن يحرِّق ما وعته الصدور وحفظته بغاية الضبط والإتقان … فذلك ما لا سبيل إليه.

قال الشيخ محمد عبده رحمه الله «إنَّ كتابنا هو القرآن العزيز لم يوجد كتابٌ في الدنيا نُقل، ونُشر كما نُشر، فإنَّ الجماهير من المسلمين قد حفظوه عن ظهر قلب من القرن الأول إلى يومنا هذا» (13).

وقال أيضًا: « … وما كفل تعالى حفظ كتابٍ من كُتبه بنصِّه إلاَّ هذا القرآن المجيد الذي قال فيه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر/09)، وظهر صدقُ كفالته بتسخير الألوف الكثيرة في كلِّ عصر لحفظه عن ظهر قلب، ولكتابة النسخ التي لا تُحصى منه في كلِّ عصره … » (14).

وممَّا ذكره المفسر الكبير الإمام القرطبي في تفسيره «فاتَّفقوا على جمعه بما صحَّ وثبت في القراءات المشهورة عن النبيء صلى الله عليه وسلم واطرح ما سواه» (15).

فأنت ترى الإمامين محمد عبده والقرطبي فيما نقلتُه لك لم يشيرَا إلى رسم المصحف على حرف واحد فقط من الأحرف السبعة.

ومن عجيب أمر الإمام الطبري ـــ الذي ذهب إلى أنَّ المصحف الإمام لم يُرسم إلاَّ على حرف واحد ـــ أن ينقل حديثًا جاء فيه، «كان الكتاب الأول [يريد الكتب السماوية السابقة على القرآن] نزل من باب واحد وعلى حرفٍ واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف … » ثمَّ يقول: «وخصَّ الله نبيَّنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه بأن نزَّل عليهم كتابه على أوجه سبعة من الوجوه التي ينالون بها رضوان الله ويدركون بها الفوز بالجنَّة إذا أقاموها، فلكل وجه من أوجهه السبعة بابٌ من أبواب الجنَّة الذي نزل منه القرآن … فجميع ما في القرآن من حروفه السبعة وأبوابه السبعة التي نزل منها جعله الله لعباده إلى رضوانه هاديًا، وإلى الجنَّة قائدًا» (16).

أقول: هذا الكلام يُناقض مذهبه في رسم المصحف على حروف واحدٍ من الأحرف السبعة.

وخلاصة القول في الموضوع:

إنَّ دعوى رسم المصاحف العثمانية على ما يوافق حرفًا واحدًا من الأحرف السبعة هي أصل المشكل، ولا نرتاب فيما نُقل وتواتر من حمل الإمام عثمان رضي الله عنه الناسَ على مصحفٍ إمامٍ، فإنَّ الهدايةَ والرشدَ في ذلك، وإنَّما أمر بتحريق كلِّ ما عداه من أجل أنَّه عملُ الصحابة منفردين لا مجتمعين، فلا يُؤمَنُ الخطأُ على صحابيٍّ فيما كتبه على انفراد؛ وقد نقل الطبري أنَّ

١٠ / ١٩٧