مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١١٢

سطح الجامع فتلا قصَّة المولد بصوت بهيج، واتبَعَها بدرس استغرق ساعةً ونصف، افتتحه بالتعريف بالليلة وحكمة احتفالنا بها وشيء مما أنعم الله به علينا فيها برسالة خير الخلق، وشيء من معجزاته وفي مقدمتها القرآن، وبوجوب التأسِّي به والتزام سنَّته وهجر كل ما ابتدع في الدين مما ليس منه، وتمرين النفس على قبول الحق ورد الباطل، ثم ذكر شيئا من صفاته صلى الله عليه وسلم البارزة ومن صفة الرجولة وإننا خلوٌّ منها تماما بحيث لا نجدها في حالة من أحوالنا كلها، ومن هنا تسرَّب إلى الداء الدويِّ الذي أُصِبْنَا به وهو الخوفُ والجزعُ والجبنُ أمام صدمات الباطل، والتقاعد عن إظهار الحق. وأعطى في الموضوع بسطة طويلة ونزل على رؤوس الذين يستمعون لإرجاف المرجفين فيخافون ويهلعون لأدنى إشاعة تلقى إليهم، بينما العاملون لا يأبهون لذلك مُقدِمُون في مهمتهم لا يثنيهم شيءٌ من ذلك؛ لا وعيد من سجن أو غرامة أو موت، إذ أن ذلك طريقة الرسول وصحابته، وأنزل الصواعقَ المحرقة على الوشاة الساعين بالمصلحين في إفساد إصلاحاتهم ومشروعاتهم، يعملون بكل وسيلة لإطفاء نور الله بإغلاق المدارس وحرمان الأولاد من التعلُّم وتصوير المصلحين لدى الدوائر بصورة أعداء للدولة مشوشين إلخ .. وأن وشاياتهم ومساعيهم لا يزدادون بها إلاَّ حقارة ومهانة، ولا ينالون بها إلاَّ الخزيَ والعار، وإنَّ المصلحين يزدادون بذلك مضاءً وإقداماً وشجاعة، وشواهد التاريخ معلنة بذلك.

ولم يترك ناحيةً حول الموضوع إلاَّ جاس خلالها، فكان يُلقي درسه في حماسٍ وشدَّة، والصحن مكتظٌّ رجالاً وأطفالا ونساء، فصوَّر الخونة في صورة كلابٍ أرجاسٍ في جلودٍ محشوَّة خبثاَ ورذيلة، ثم عرَّج على الشبَّان العاطلين المتخنثين المشتغلين باللهو والبطالة وإتحاف الهندام وتصفيف الطرر وقص اللِّحى، وبسَطَ في الموضوع بسطة ًطويلة، فكان لهذا الدرس صدىً كبيرًا في جميع الطبقات، فكانت ليلة زهراء، ورحمة في قلوب المؤمنين الصادقين، وليلة سوداء وعذاب في قلوب المنافقين … ».

د/محمد صالح ناصر

الجزائر في 26 رجب 1426هـ

-------------------------

الهوامش

1 ـ حبَّذا لو تقوم دراسة أكاديميَّة بهذا الموضوع لأهمٍّيته.

2 ـ يذكر في إحدى رسائله (14 مارس 1935) أنَّه يقوم بتسجيل دروس الشيخ ولا سيما في التفسير في مذكِّرات خاصَّة يلخِّصها بعد ذلك. يقول: «ولي مذكِّرات أقيِّدها أثناء الدرس أستخلص منها أكثر الدرس بعد ذلك». ألا تدعونا هذه الإشارة المهمَّة إلى البحث عن هذه المذكِّرات لإكمال ما نقص من دروس التفسير ما قبل استخدام الآلة المسجِّلة للصوت.

3 ـ كانت له مذكِّرات خاصَّة يسجِّل فيها دروس الشيخ، ولاسيما درس التفسير الذي بدأ في

١١٢ / ١٩٧