مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

السر الأول في عبقرية الأستاذ وزعامته

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

سألتُ الأستاذ حفظه الله يومًا عن جَدِّه - القائد كاسي- الشهير، وكان يحدّثني عن حُسن رعايته له، وشدَّة حبِّه إياه، ويقُصُّ عليَّ من مظاهر دهائه وذكائه، وسياسته ونفوذ سلطانه، ما جعلني من شدَّة الإعجاب به أحسبه يحدِّثني عن داهية العرب، وأوَّل ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان.

سألته: هل كان لجدِّه حظٌّ من الثقافة بجانب هذه المواهب الجبَّارة أعانت على تهذيبها، وساعدت على ظهورها ونضوجها وكمالها … ؟

فقال حفظهُ الله: لم يَذق جدِّي طعم الثقافة بمدرسة نظامية، ولا تتلمذ لأيِّ إنسانٍ قطُّ. نعم: كان شغوفًا بالمطالعة في أوقات الفراغ، لكن الذي هذبه وكوَّنه- وهو أعظم أستاذ- إنما هو التجارب والحوادث.

غير أني لم أقتنع، ولم تطمئن نفسي فسألتهُ ثانيًا: عمَّا إذا كانت له علاقة بشخصية مثقَّفة في عصره ينادمها، أو يجاذبها أطراف الحديث أحياناً في المسائل العلميَّة، ويستسقي منها ناضج الآراء، وتمدُّه بسامي الأفكار … ؟

فقال: لا .. لم تكن له بأي إنسان علاقة من هذا النوع قطّ. وحتى في تدبير أموره السياسية ما كان يستشير أحدًا فيما يفعل أو يدر، لِمَا رُزق من سعة الحيلة، وفَرط الدهاء، وشدَّة المعرفة بطُرق السياسة وتلوُّناتها وتقلُّباتها، بحيث لا يُعجزه وضع خطَّة، ولا يحيِّره مرَّة حلُّ مشكلة مهما تعقَّدت، واستعصى أمرها .. اللهم إلاَّ ما كان من أمره مع (القطب) رحمه الله؛ فقد كان - رغم بُعدِهِ عنه في المسافة والقُربى - شديدَ الحبِّ والاحترام له؛ يُكرم وِفادته، ويبالغ في تعظيمه كلَّما زار بلدته القرارة. وكان هو الوحيدَ الذي أخلص له الودَّ، واعترف له بالشرف وعلوِّ المكانة في العلم من بين قواد الوادي وأغلب زعمائه.!!!

ولم تقِف به مروءتهُ وأريحيتهُ إزاءه، وصدقُه في حبه وإخلاصه في تقديره عند مجرَّد الاعتراف بعلمه، والكف عن مناوأته، وعدم مشاركة الأعداء في مطاردته فحسب؛ بل كان يستزيره أحياناً ويستفتيه، ويستضيء برأيه، وربما حماه وناصر فكرته، وتعصَّب لرأيه، ووقف بجانبه حتى في جمهور من النوَّاب والقواد، غير مبالٍ بمصادمتهم، ولا آبه بغضبهم وحنقهم، الأمر الذي كان ذوو المقامات والوظائف الرسمية يتحاشاه ويحذره كل الحذر خورًا وجبناً!!!

قال الأستاذ حفظه الله: وبلغ يوماً في مناصرته له ومعاضدته إياه أن ضمَّت (القطبَ) وبعض قوادِ الوادي وأعيانه جلسة فرأى أن يغتنم فرصة اجتماعهم، فيعرض عليهم فكرةً مما كان يختلج في صدره ولا يستطيع إبدائه وبثه لِمَا كان يُعامَل به في بلده وفي أغلب القرى من الجفاء، ويُقابل به من هجر ومطاردة واضطهاد خُنقت به أنفاسُه، ورُمي بالكفر والزندقة والإلحاد في كل ناد.

رأى أن يعرض عليهم فكرة لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويرجعون عن ضلالهم القديم فيعتنقوها، وتتحقق على أيديهم - وهم أهل الحل والعقد- فتنتشر في كامل البلاد … غير أنه ما كاد يبوحُ

١٥٢ / ١٩٧