مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

السر الأول في عبقرية الأستاذ وزعامته

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

بها بينهم، ويسألهم عما إذا كانت ممكنة التنفيذ؟ حتى تحزَّب الحاضرون ضدَّه، وتنكروا له، ولم يبق في المجلس من يناصرُه أو يسرِّي عن قلبه، إلاَّ القائد كاسي؛ فقد انبرى فيهم كالأسد الهصور، وأنقد الموقف بما أكبتهم وأخزاهم بقدر ما رفع من قدر (القطب) وأعلاه، قائلا بكل صراحة وتأييد: " إنما نحن لرأيك أيها الشيخ متبعون، وبه على مرِّ الزمان آخذون".

قال الأستاذ: ذلك هو كل من عرفه جدِّي من الشخصيات العلمية البارزة في عصره، ودان بها، واعترف لها … فقلت له وأنا شديد الإعجاب بما أسمع: حُقَّ -والله - للنفس العظيمة أن لا ترتاح إلا لمثيلتها في العظمة، وصنوِها في التفوُّق، فكلُّ قرين إلى شكله، وكلُّ زعيم إلى كُفئه؛ فلعمري ما كان يليقُ بتلك الشخصية السياسية البارزة إلا هذه الشخصية الدينية الفذَّة. وما مَثلُهما في صداقتهما وعظمتهما إلا كمثل النجاشيِّ الملك، ومحمد الرسول .. !!!

ثم استأنف الأستاذ حديثه في غبطة وارتياح، فقال:

وهنا نقطة تاريخية جديرة بالاعتبار، رويتهُا عمن أثق به ممن حضر تلك الجلسة - وهي النقطة الوحيدة التي لا يعرفها اليوم أحد سواي …

فقلت في نفسي: بُشرى! هذه هي الحقائق التي أنشدُها، والأسرار التي أنقِّب عنها في تاريخ هذا العبقري العظيم. مما يكشف عن أسرار عظمته، ويزيح الغموض عن كُنه شخصيته، فقد طالما عظم شغفي بها، وتاقت نفسي إلى استكناه دقائقها وتتبع جزئياتها.

ثم تابعت إقبالي عليه أسأله بكل لهف وشغف؛ وما ذاك أبت العزيز … ؟

فقال: لم يكد جدي يفرغ من جوابه الحاسم للقطب في هذه الجلسة التي حدَّثتك عنها، حتى انطلق لسانه [أي القطب] رحمه الله انطلاق السجين من الأسر يردِّد هذه الكلمة ويعيدها:"اللهم ارزقه من صُلبه ولدًا يُحيي العلم، اللهم ارزقه من صلبه ولدًا يحيي العلم … !!! ".

فما سمعتُ هذا النبأ العظيم … حتى طفقتُ أكرِّر بيني وبين نفسي: لله العجب ما أشبه هذه الدعوة بدعوة إبراهيم.

نعم؛ إن هذه الدعوة التي بعث بها القطب - يرحمه الله - وهو يرفع قواعد الدين، وينشر مبادئ الإيمان بين المسلمين، لَعَينُ تلك الدعوة التي بعث بها إبراهيم وهو يرفع القواعد مع البيت وإسماعيل ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمُ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمُ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 128 - 129] فذهبت مجللة تدوي في عالم السماوات تتلقاها الملائكة بأجنحتها الخضراء، واحدًا واحدًا، إلى أن بلغت ذروة العرش، فما برحت أن انقلبت من الملكوت الأعلى، وقد أذن الله لها بالقبول، روحاً زكية طاهرة، وعادت من المحل الأرفع نفسًا حرة كاملة، وآبت إلى الناس رحمة شاملة، في شخصية

١٥٣ / ١٩٧