مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عبد الرحمن بكلي شاعر الإصلاح

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

الأدباء الكبار ويناقشهم مناقشة، تكشف عن إلمامه الواسع بالأدب، وامتلاكه حِسًّا مرهفًا وذوقًا أدبيّا رفيعا.

في هذه الصّفحات نحاول التّعريف بشعره تعريفا متواضعا، وتقديم صورة أوليّة عنه؛ لأنّنا نفتقر إلى معطيات كثيرة تساعدنا على دراسته دراسة موضوعية وافية. منها عدم توفّر كلّ ما نظمه بين أيدينا، وغياب كثير من المعلومات عمّا ورد في شعره، وعجزنا عن فكّ بعض الألغاز فيه، ومنها عدم توفّر الوقت الكافي لدراسته دراسة نقديّة.

ومن جملة المجالات المجهولة في شخصيّة الشّيخ الجانبُ الأدبي، وبِخاصّة ميدان الشّعر، فقرّرنا الكتابة فيه. بما أنّ تناول هذا الجانب كلّه غير ممكن للأسباب التي ذكرناها سابقا، فإنّنا اقتصرنا على موضوع الإصلاح في هذا الشّعر، وضيّقنا من حيّز الدّراسة فركّزنا على ما تناوله في شخصيّة الشّيخ بيّوض؛ لكثرة ما نظمه عن هذه الشّخصيّة، ولأنّها تمثّل الجانب الإصلاحي الذي يريد الشّيخ عبد الرّحمن الكَشفَ عنْه، وتُجَسّدُ الأفكار التي يهدف إلى إبرازها. وقد تناولنا بعض ما كتبه عن الشّيخ بيّوض، ودرسناه دراسة موضوعيّة متواضعة، ولَمْ نَدْرسه دراسةً فنيّة معمّقة. سيكون للدّراسة الشّاملة مناسبة أخرى إِن شاء الله.

نشير إلى أنّنا أطلنا في عرض بعض النّصوص لإطلاع القارئ على أدب الشّيخ؛ لأنّه غير متداول ولا معروف، ولا هو في المتناول. كما سمحنا لأنفسنا بتفكيك بعض ما جاء في الأبيات المستشهد بها، أي نثرناها لمساعدة القارئ على معرفة الأفكار التي يريد الشّيخ إيصالها له. نرجو أن يكون هذا العمل بداية لدراسة أكثر عمقا وتحليلا، وذلك حين تتهيّأ الظّروف.

الشّيخ بكلِّي شاعر الإصلاح:

يستغلّ الشّيخ عبد الرّحمن بكلّي (1901 - 1986م) بعض المناسبات، وحصول بعض الأحداث، فيتحدّث عن بعض الشّخصيّات، ويسجّل بعض مواقفها، وينوّه ببعض خصائصها، ويعدّد بعض صفاتها. يستغلّ كلّ ذلك ليفصح عن الواقع الذي تعيشه الأمّة، ويكشف عن الحالات التي تستحقّ المعالجة، ويشير إلى القضايا التي يجب التّصدّي لحلّها، وينبّه إلى المسائل التي يجب أن تُولَى الاهتمام. وبذلك فهو يتّخذ الشّعر وسيلة للإصلاح والتّوجيه والإرشاد والتّوعية. من هنا فإنّ الشّعر عنده رسالة يجب أن يسخّر لخدمة الأمّة والنّهوض بالمجتمع. وهو شأن زعماء الإصلاح وشعراء الحركة الإصلاحيّة في الجزائر؛ فالشّعر عندهم رسالة مقدّسة وأمانة يجب حملها والاضطلاع بها في سبيل النّهوض بالمجتمع. وكانوا ينظرون إلى الشّعر بأنّه وسيلة للإصلاح والإحياء والتّقويم والتّوجيه والتّعليم والتّهذيب والتّكوين … (1) وفي هذا يقول محمد الهادي السّنوسي الزّاهري (ت 1974م) عن الشّاعر الحقيقي: «إنّه ذلك الفذّ القادر الذي أوقف نفسه على بني جلدته أو بني الإنسان أجمعين … يجاهد بفكره في سبيلهم ليهدي الضّال، ويعلّم الجاهل، ويضرب لأبناء البشر

١٥٦ / ١٩٧