مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عبد الرحمن بكلي شاعر الإصلاح

الجزء ١ · صفحة ١٥٧

المثل العالية في السّعادة وكمال الإنسان» (2). فالشّيخ عبد الرّحمن بكلّي لم يخرج عن هذا المفهوم، ولم يتخلَّف عن هذه النّظرة في شعره.

فحين تَفْقِدُ القرارة (بالجزائر) أسَدها الشّيخ بكير العنق (3) وحين يأخذ الحين رجل ميزاب (4) يبكيه الشّاعر؛ يرثي فيه صفاته الحميدة، ينعى فيه وطنيّته ونضاله، ومقارعته الجمود والفساد والاستعمار، ويندب فيه ما كان يحمله في قلبه من حبّ للخير وغيرة على الوطن، ويتحسَّر على ما كان يتحمّله من غصص وعذاب في طريق جهاده ضدّ كلّ أشكال الذّلّ والهوان، وكلّ أنواع الخنوع والخضوع … ويرثي فيه ما يحمله في جَنْبه من ألوان التّضحيّة والفداء في سبيل إصلاح المجتمع.

لقد غاب أسَد القرارة -كما كان يلقّب - سنة 1934 م، في وقت عصيب على الجزائر، فترة اشتداد الصِّراع بين الإصلاح والجمود، فترة تكالب قوّات كثيرة على الجزائر: هجوم على الحركات الإصلاحيّة، تضييق عل الحركات الوطنيّة، محاصرة للمقوّمات الإسلاميّة الوطنيّة؛ من دين ولغة وتاريخ … وسنّ قوانين إجهاض كلّ حركة، واقتراح مشروعات التّجنيس والاندماج وغيرها. (5)

في هذا الوقت الحرج الصّعب، وفي هذا الظّرف العصيب، الذي بدأت فيه الحركة الإصلاحيّة تشقّ طريقها، وتمهّد سبيلها، وتنظّم صفوفها، وتجمع شملها، وتطوّر وسائلها لإصلاح ما فسد، وتغيير الوضع نحو الأحسن. في هذا الوقت تفقد القرارة ووادي ميزاب أحد رموزها، وأبرز مفكّريها، وأحد أقوى زعمائها.

يقوم الشّاعر ليسجّل مشاعره، ويقدّم عواطفه نحو هذا المصاب الجلل:

مَا لِجَمْعِ الإِصلاِحِ يَبدُو حَزِينَا.:. ولِدَمْعِ البِلاَد ِيَجْرِي سَخِينَا

وَلِصَوتِ الإِرشَادِ مِن بَعدِ مَا كَا.:. نَ بَشيرَ الحَيَاةِ، أَمسَى أَنِينَا

وَلِرُوحِ الإِخْلاصِ مِن بَعدِ مَا كَا.:. نَ مُثيرَ الشُّعُورِ، عَادَ دَفِينَا

وَلِرَوْضِ الأَخلاَقِ مِن بَعدِ مَا كَا.:. نَ نَضِيرًا، أَمَال عَنهُ العُيُونَا

وَلِوَجهِ الوَفَاءِ وَالنُّبلِ وَالإِقـ.:. ـدَامِ وَالاِهتِدَاءِ، صَارَ مَشِينَا

وَلِوَردِ الصَّفَاءِ مِن بَعدِ مَا كَا.:. نَ زُلاَلاً، أَضحَى لَنَا غِسْلِينَا (6)

إذن إنّ الإصلاح أصبح منكوبا، بسبب انتكاسة المنجزات التي كان قد حقّقها؛ في الإرشاد والإخلاص والأخلاق الفاضلة، والوفاء والنّبل والإقدام والهداية والصّدق، وغيرها من المظاهر التي كانت قواعد يبني عليه الإصلاح بنيانه، ويؤسّس هيكله. هذه القواعد وهذه الأسس أصابها الوهن والضّعف، أو على الأقلّ هي مهدّدة بذلك؛ بسبب غياب بُنَاتِها، وذهاب أحد حماتها، ورحيل أحد المعوّل عليهم في تطوير هذه الحركة.

١٥٧ / ١٩٧