مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عبد الرحمن بكلي شاعر الإصلاح

الجزء ١ · صفحة ١٦٧

ويزدهي:

فَهُنَا نَرَى الإِصلاَحَ يَطْفَحُ بِشْرُهُ.:. وَنَرَى الخُصُومَ يُطُأطِئُونَ رُؤُوسَا (32)

هذا البيت يترجم المشاعر الحقيقيّة التي يحملها الشّاعر، ويفصح عن الغرض الحقيقي من نظم هذه القصيدة، وهي نصرة الإصلاح، ومباركة خطواته وأعمال زعمائه، على رأسهم الشّيخ بيّوض. إنّ القصيدة تحمل آيات الحسرة والتّذمّر على الأوضاع الفاسدة، والقلق والضّجر من تطوّر الحياة السّياسة، التي أفرزت عرض مشروعات خطيرة على مستقبل الشّعب الجزائري بعامّة وعلى سكّان الصّحراء بخاصّة. منها مشروع فصل الصّحراء عن شمال الجزائر. ومنها تطوّر أساليب الكفاح والنّضال، الذي أدّي أحيانا إلى الصّدام والاختلاف في طريقة المواجهة، والغاية من النّضال. وعلى صعيد العالم تفاعل نتائج الحرب العالميّة الثّانيّة، وانعكاسها على الجزائريّين. وفيما يخصّ الشّيخ بيّوض المعنيّ بقصيدة الشّيخ عبد الرّحمن، فإنّ فترة الأربعينيّات - التي قيلت فيها القصيدة - هي فترة حرجة بالنّسبة إليه. ففيها فرضت عليه الإقامة الجبريّة، وفيها تعرّض لمحاولات الاغتيال، وفيها عَرَض كثيرا من آرائه السّياسيّة والاجتماعيّة والتّربويّة الخطيرة، التي كان لها تأثير خاصّ في الحياة العامّة، وفيها كان محور الحركة الإصلاحيّة بكلّ جوانبها وتطوّراتها … (33)

تنظر في هذا السّياق قصيدته التي استقبل بها الشّيخ بيّوض في مدينة بريّان يوم 16 من شوّال 1363هـ /04 من أكتوبر 1944م (34) فهي تحمل الأفكار نفسها، والرّسالة ذاتها، والمشاعر عينها، والرّؤى نفسها، حتّى العبارات والتّراكيب والأوصاف الواردة في هذه القصيدة لا تختلف عمّا ورد في القصائد الأخرى التي تناولت الموضوع نفسه.

خلاصة القول إنَّ شعر الشّيخ عبد الرّحمن يكاد ينحصر في مجال واحد هو مجال الإصلاح؛ حتّى في هذا الميدان، يكاد لا يخرج عن دائرة الرّثاء على الأوضاع المتردّية، المتمثّلة في ضعف التّعليم وانتشار الجهل وزهد النّاس في العلم، واستفحال الجمود الفكري، وسيادة التّخاذل والتّقاعس، وضعف التّفكير السّليم والتّدبير السّديد - عند بعض النّاس - في مستقبل الأمّة والوطن. كلّ ذلك جعل أعداء الدّين، وخصوم الإصلاح والتّطوير يسيطرون في توجيه الشّباب إلى عواقب وخيمة، ويدفعون بالبلاد إلى مصائر مجهولة. وهو ما دعا الشّاعر إلى أن يرحّب بكلّ عمل يناهض هذه الأفكار، ويقف سدّا منيعا أمام كلّ تحرّك يعرقل النّهضة. لذا كان يكثر من سرد مخازي المعرقلين والمغرضين، ويكرّر الدّعوة إلى ما ينهض بالمجتمع وينوّع في هذه الأساليب، ويحارب ما يناهض هذه الدّعوات. ويلحّ على الإشادة بزعيم الأمّة والإصلاح الشّيخ بيّوض، واتّخاذه محور شعره في هذا المجال؛ تسجيلا لأعماله، تنويها بأفضاله، دعوة للاقتداء به، إلحاحا على مؤازرته … لأنّه وجد في التّركيز عليه تحدّثا عن الإصلاح، وكشفا عن أفكاره هو. من هنا كان الشّيخ عبد الرّحمن بكلِّي شاعر الإصلاح بحقّ.

١٦٧ / ١٩٧