مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عبد الرحمن بكلي شاعر الإصلاح

الجزء ١ · صفحة ١٦٦

اشرَبْ عَلَى نَخْبِ الإِمَامِ كُؤُوسًا.:. وَانْعَم بِمَرْآه البَهِيِّ نُفُوسا

واقرَأْ عَلى الدُّنيَا مَحَاسِنَ فَضْلِهِ.:. وَاسجُد لَدَى مِحرَابِهِ تَقْدِيسًا (28)

التزم الشّاعر في هذه القصيدة التي تعدّ ثلاثة وخمسين ومائة بيت (153) بما عهدناه عنه كلَّما كان الحديث عن الشّيخ بيّوض، وجاء النّظم بعد قيام الشّيخ بعمل ما، حيث يطول نفسه في الكتابة، ويكون التّركيز على إنجازات جماعة الإصلاح، ويحلو الكلام على فضح مخازي خصومه، وتكون الفرصة مناسبة لتوجيه الدّعوة للنّاس، للقوم، للشّباب ليأخذوا بأسباب الحياة والتّقدّم، ونبذ الكسل والخمول والتّفرّق والتّقاعس …

يركِّز كثيرا على صنيع خصوم الشّيخ بيّوض، الذي لا يوصل إلاّ إلى نتيجة واحدة وهي تخريب هذا الوطن وتفريغه من كلّ معاني الحياة، وإبعاده عن كلّ مظاهر التّعمير، بل الإبقاء به يرزح تحت وطأة التّخلّف، ويقبع أسير التّبعيّة والقهر.

القوم يقولون إنّ بيّوض خنجر مغروس في جسم الدّين، وهو أصل كلّ داء؛ لأنّه يريد أن يصون المنطقة من الحكم الفرنسي العسكري الغاشم، ولأنّه يسعى إلى التّمدّن والتّحضّر والتّطوير. إنّه مبتدع ومبدّل ومبدّد وعاقّ لنا ولديننا؛ لذا:

قُومُوا حُمَاة الدِّينِ صُونُوا أَمْرَهُ.:. ثُمَّ ابذُلُوا نَفْسًا لَكُم وَنَفِيسَا

وابنُوا السُّدُودَ أَمَامَهُ أو أَبرِقُوا.:. بِالإِحْتِجَاجِ لِنَدْفَعَ التَّهْوِيسَا (29)

هكذا تحتفظ القصيدة بهذا الخطّ العام الذي انتهجته قصائده الأخرى، تسير فيه في اتجّاه مستقيم لا تحيد عنه إلى السّبل، حتّى لا تضلّ عن الهدف وهو الحديث عن الإصلاح ونصرته، والدّعاية له. ويكون في هذه القصيدة التّركيز على خطر الحكم العسكري، وتبيان وجهة نظر الشّيخ بيّوض وحزب الإصلاح في القضيّة، وهو رفض هذا الحكم رفضا تامّا. ومن ثمّ ينبّه الشّاعر النّاس ليتفطّنوا إلى مكائد الأعداء ودسائس المغرضين، ويومئ إليهم أن لا يسمعوا إلى من هو قاصر في تفكيره وعاجز في تدبيره وساذج في توجيهه:

لاَ مَرْحَبًا بِالعَقْلِ إِنْ لَمْ يَنْتَصِبْ.:. عَلَمًا يَدُلُّ إِلَى الرَّشَادِ نُفُوسًا

وَيُمَيِّزَ الحُسْنَى فَيتْبَعهَا الَّذِي.:. يَبْغِي الهُدَى خَدَنًا لَهُ وَأَنِيسَا

مَا بَالُنَا - أَفَنًا - نُنَاصِرُ خَصْمَنَا.:. أَنُرِيدُ تَصيِرَ الحِمَى نَاوُوسَا (30)

ثمّ استعرض مجموعة من المشاكل التي يتخبّط فيها الشّباب وأبناء منطقته، وهم خارج دائرة مساقط رؤوسهم يعيشون آلام الغربة ومتاعبها، ويحيون حياة التّمزّق والتّفرّق والتّشرذم والتّشتّت وغيرها. تساءل بعد ذلك متى تنجلي هذه الظّروف العصيبة؟ منى تتغيّر الأوضاع؟ متى تنفرج الأزمة وترتقي البلاد وتتطوّر؟ متى تأخذ الصّناعة مكانها في المجتمع؟ لن يحصل ذلك إلاّ حين تأخذ الأمّة بأسباب الحياة الحقيقيّة (31) وحين يتحقّق ذلك يكون الإصلاح قد تمكّن من الأمّة ويفرح ويزهو

١٦٦ / ١٩٧