معهد الحياة .. ثمانون عاما من العطاء
الجزء ١ · صفحة ١٨٤أرَّخ فيه للحركة الإصلاحية بكل دقة وأمانة في الجزء الثالث صفحة 16: «وكان ميلاد المعهد في الربيع في شهر ماي، فولد مع الزهور الفواحة، والعراجين المباركة، ومع شباب الدنيا الذي يجددها ويورثها حسنَها ونتاجَها، فازدانت النفوس تفاؤلا بميلاد المعهد، في يوم الجمعة المبارك، في شهر العيد، في موسم الربيع، وشعَر الطلبةُ بالعيد الأكبر، هذا اليوم العظيم الذي يتحقق فيه أمل من أعظم آمالهم، فينفتح هذا المعهد العظيم الذي رأوه أوسع باب للمستقبل الزاهر الذي يرجونه لدينهم وأمتهم». اهـ
وإننا إذ نقوم في ذكراه اليوم احتفاء بهيبته، واحتفالا بأوبته بعد اثنتين وثمانين حجَّة، فلأنَّ إشراقته كانت علينا حُجَّة، وطريقته صارت لنا محجَّة، نسلكها كما سلكها سلفنا طائعين، نبتغي بذلك النجاة يوم ترجُّ الأرضُ رجًّا. معهد وضع قواعدَه سلفٌ صالح، وصنع فرائدَه جيلٌ فالح، ورفع مقامه نشْءٌ ناصح، ابتغاء ما عند المولى من أجر طافح، لا يغريه إقدامًا ثناء مادح، ولا يثنيه إحجاما عواء قادح. لأنه آمن يقينا صادقا أنَّ معهدهم هذا وريثُ أمجاد تقدمته، وحفيدُ معاهد سبقته، فهو امتداد لمعهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى نور القلب، والذي هو فرع من معهد علم الأمة الفذ الشيخ محمد بن يوسف اطفيش القطب، الذي يستمد وجوده من معهد الشيخ محمد بن بكر بن أبي بكر الفرسطائي واضعِ نظامِ الإمامة الصغرى في المغرب، والذي يضرب بجذوره عميقة في تاريخ المذهب، ليصل إلى معهد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في غار البصرة على شط العرب، ومن ثم فهو موصول الأحقاب، موثوق الأسباب بمدرسة الرسول الأعظم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، منها يتفجر نبعه، ويستمد فيضه، ويجدد قوته، ومنها يمتص رحيق الإيمان، ويرضع لبان التقوى في كل آن، ويستلهم سبيل الرشاد مدى الأزمان، إنه بحق يومُ عيد سعيد سعدت بطلعته السماوات، وفجرُ قوم مجيد شعت أنواره في الخافقات، وخبيئةُ عمل صالح ابتغته النفوس المؤمنات، فغدت لهم ذكرا حسنا في الباقيات ولسانَ صدق في الخالدات.
معشر السادة النبلاء، ويا ثلة الإخوة الأساتذة الفضلاء، ويا جمع أبنائنا الطلبة الأعزاء:
إنكم وإيانا جميعا نتقاول في سريرة، ونحن وأنتم كلنا نتساءل في حيرة: ما بال القومِ اليومَ في وُجُوم، ولِم الجمعُ تغشاه مسحة من الغموم، ولم المكان تظلله سحابة من الهموم، ولم البسمة لا تفتر بها زاهية شفاه الحاضرين، ولم الألحان لم تنطلق بها شادية أفواه المنشدين؟
إيه معشر الأكرمين إنها الذكرى في الميعاد تُقام، لعزيزٍ افتقدناه على فاقة منذ أيام، ومدير واكب المعهد مرابطًا منذ أن قام، وراعيا ظلَّ مسجيا لنا على الدوام، طواه الدهر في جدث، وأبقانا بعده في عنت، وقلوبنا شوقا إلى لقياه في لهث.
إي وربي إنه ذلكم الذي بذكره تنزل الرحمات، وبدعائه تحُل البركات؛ من صدَق فيه قول الحبيب المصطفى: «خيارُكم من ذكَّرَكم بالله رؤيتُه، وزاد في علمِكُم منطقُه، ورغَّبكم في الآخرة عملُه».