معهد الحياة .. ثمانون عاما من العطاء
الجزء ١ · صفحة ١٩٠ثانيا التخلي عن رذائل الأخلاق كالحسد والحقد والكذب والاحتقار والاستئثار، والتحلي بفضائلها كالحلم والصدق والكرم والنصح والأخذ بيد العار والإيثار.
ثالثا: التفاني في سبيل مهنتكم والتفرغ لها والمثابرة عليها بكل جد، من غَير ضجر ولا ملل، فآفة العلم هي الملل، ومن يعرف المطلوب يحقر ما بذل.
رابعا: صرف الشطر الأكبر من وقتكم في شحن أدمغتكم من مختلف الفنون بقدر استعدادكم ومواهبكم، وفي الاعتناء بالحفظ ومطالعة نفائس الكتب.
خامسا: أرفع أكف الضراعة بالدعاء إلى الله وأبتهل واضرع إليه أن يمدكم بروح منه، ويسدد خطاكم ويلحظكم بعين عنايته، ويوفقكم لما فيه رضاه إنه سميع مجيب».
إيه يا شيخنا المرحوم، ويا أبانا الرحيم، كم كان الرجاء فيك حثيثا لحضور يوم التمام، وكم كان الأمل فيك صادقا لشهود الحفل يُقام، وأنت تدشِّن بيمينك المباركة هذا الصرح العلمي الهام، وتدلف بقدمك الطيبة عتبة هذا المَعلَم الديني السامْ، الذي وضعت أسسه في العشرينيات، ورفعت قواعده من جديد وقد تجاوز العمر منك مائة عام. بركة في العمر تالدة، وخَبِيئة من العمل رائدة، زاد ادخرته للخالدة، فنم إلى جوار الصحب آمنا، واستمتع بصفو النعيم في رياض القبر مطمئنًّا، ولتقرَّ عينك بما قدمت، ولتهنأ نفسك بمن خلَّفت، فذكرك صار عمرًا ثانيا في الخالدين، وحمدك أضحى لسان صدق في الآخرين.
ولئن لم يكتب لك شيخَنا حضورُ ذلك اليوم الموسوم، والبقاءُ إلى ذلك الوقت المعلوم، وقد عالجك الأجل المحتوم، وغادرتَ وفي نفسك لهفة وهموم، فثق بأنا على العهد ذائبون، وعلى الدرب باقون، وعلى المشعل محافظون، وللراية السمحاء مُعلُون، وللسيادة القعساء ماضون، وسيكتمل بإذن الله شموخ هذا الصرح، وستعلو منارته فوق السطح، و سيُنشد أبناؤك الجنود بلحن شجي لحن الخلود، ويؤوبون بصوت ندي أنشودة الحفاظ على العهود، وسيردِّد المعهد صدى اللحن، وترجع الجبال مدى الصوت، فيغشاك لحنًا سنيًّا في قبرك وقبر من تنام بجواره زعيم الأمَّة الشيخ بيوض، وصنوه الشيخ أبي اليقظان، وكل من يرقب بعين بصيرة مسيرة هذا المغوار، ويتابع درب هذا المشوار؛ فالهناء الهناء لك شيخنا، والسعادة السعادة أبانا، لقيانا معك في دار الخلود، هناك يحلو السمر ويطيب السهر في الرياض مع الحور، فتعج الأفئدة بالشكر أبد الدهور.
معهدَ الرُّشدِ لا عدِمتُك صدرًا.:. كم رَعى نَاشِئًا، وأيقَظ ذِهنَا
أنتَ في شَاطِئِ العُلُوم مَنَارٌ.:. أنتَ في بَحرِهَا اللآلِئُ تُجْنَى
مُذ ثَمَانِينَ وَالمرَاكِبُ تَرسُو.:. سُفُنٌ تَختَفِي فَتحْضُنُ سُفْنَا
مَعهَدٌ للشبابِ كُنتَ ومَا زِلتَ.:. شبَابَا والعُمرُ أوشَكَ قرنا
عَدُّونُ ما أنتَ الموسَّدُ في الثَّرى.:. بل أنتَ في دارِ الخُلدِ الخَالِدُ
وَليتَ المنيَّة إذ فَدَت عُمْرًا بِخَارِجَةٍ.:. فَدَت سَعيدًا بِما شَاءَت مِنَ البَشَر
فحفل مبارك أيها المحفل السعيد، وعمر طويل في حسن عمل مديد، وعهد صادق ينفضُّ عنه الجمع رشيد، ويقين تثبت به الأقدام على الصراط والبصر يومئذ حديد، ورضوان من الله أكبر ما نرجو بعده من مزيد.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة/105).
القرارة يوم الاثنين 30 شوال 1425هـ
13 ديسمبر 2004م