معهد الحياة .. ثمانون عاما من العطاء
الجزء ١ · صفحة ١٨٩ومديرا، والوحيد ممن مدَّ الله في أنفاسه فدخل العشرين السادسة ليضع بيده الشريفة الحجر الأساسي لمبنى المعهد الجديد، وقد تجاوز من العمر قرنا، فحاز بذلك فضل الحال المرتحل، ويشاء اللطيف الخبير أن يكون آخرَ عملٍ يقوم به الشيخ عدون في حياته تفقُّدُ «مشروع الحياة»، قبل يومين من وفاته، لينام قرير العين، وقد صحب معه الصورة المستقبلية، والنظرة المتفائلة مرتسمةً في هذا المشروع الناشئ الذي به ضمان استمرار السعادة لمن بعده في الحياة.
أيها المحفل الكريم إن تخليدكم هذه الذكرى في يومكم هذا وشهركم هذا وعامكم هذا وفي بلدكم هذا ليفتح للنفس الطموحة مجالا رحبا لحديث الأيام، ويفتق الذهن بأفكار جياشة تستحق منا كل إطناب في الكلام، وتستوجب على كل وفيّ رضع الحياء، وكرع الولاء، ورتع الوفاء أن يقف سرمدًا موليا وجهَه شطر من كانوا له سببًا في الحياة، داعيا لهم بحسن المثوبة وكامل الجزاء، ومنشدًا في غير منَّة ملحمة الخلود، مردِّدًا في غير تكتُّم سيرة غابر العهود، التي عاشها في مض وتعب خيرة الجدود، فكانوا في الوغى صائدي الأسود.
فَصَارُوا دُيونًا للمَنَايَا ومَن يَكُنْ.:. عَلَيه لَهُم دَيْنٌ قَضَاهُ عَلى عُسْرِ
فَحسبُكَ مِنهُم مُوحِشًا فَقْدُ بِرِّهِم.:. وَحسبُكَ مِنهُم مُسلِّيًا طَلَبُ الأَجْرِ
ولكن أنَّى يتسنى ذلك الآن والوقت لا يسمح بالمزيد، والكلام مشاع لمن يريد، فحسبي أني قد بلغت من القصد ما أريد، وفي فرصة أخرى سانحة سأعود، إن أنسأ الله في الأجل وقدر بعمر مديد.
غير أني وفي نهاية الكلام، وقبل أن أترك المقام، أريد أن أعرض عليكم جوهرة ثمينة تشيع ضياء لأولي الألباب، استخرجتها من أعماق جريدة الشباب، التي شن الطلبة عليها الإضراب، حتى دسَّاها في الرفوف التراب، فكاد أمرُها أن يؤول إلى يباب، وعلى أنفسنا نلقي بكامل اللوم والعتاب، إنها مقتطفات من مقال كتبه المدير بخطِّ يمينه قبل ثمانين عاما وبالتحديد يوم 14 شعبان 1445هـ/ 17 فيفري 1927م فاسمعوا إليه في اهتمام: « … إنني أجد في نفسي انشراحًا وارتياحًا لا يوصفان إذا رأيتكم في سُلَّم النجاح ترتقون … وللناس فيما يعشقون مذاهبُ، ومذهبي في العِشق نجاحُكم وسعادتُكم … لا يستقرُّ بيَ قرارٌ ولا يطيبُ ليً مقعدٌ إلا مقعدي أمامَكم أستمطرُ عليكم سحائب فكري لإخصاب أرضكم وانتعاشها … إذا علمتم علم اليقين أنَّ ذلك منِّي صدقُ وودادُ، وإخلاص لا تشوبه شائبة رياءٍ وغرضٍ نفساني، وكنتم ممَّن يقر بالإحسان ويعترف بالجميل فإنكم تسارعون في مجازاتي، وتتساءلون عن جائزة تليقُ بي فتمنحونيها جزاءً لخدمتي، وشكرًا لما قمتُ به نحوكم؛ وهنا يجب علي أن أرشدكم إلى الجائزة التي تجازونني بها؛ إذا جئتم بها فقد قمتم بواجبكم وكنتم من الشاكرين ألا وهي العمل بما أقول لكم …
أولا: الإتحاد: لقد تفتَّحت عيونكم في عُشٍّ واحد، ورضعتم من ثدي واحد، وحلقتم في جو واحد، ورتعتم في روضة واحدة، فعضوا على هذه الوحدة بالنواجذ.